ولقد اتفق كبراء الفصحاء على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه اللائق به، وإن تفاضل الناس في الإحساس بلطف بيانه تفاضلهم بسلامة الذوق، وجودة القريحة.
قال ابن الأثير × في معرض حديثه عما يحتاجه الكاتب: =حفظ القرآن الكريم، والتدرب باستعماله، وإدراجه في مطاوي الكلام+ (1) .
ثم قال × معللًا ذلك: = فإن صاحب هذه الصناعة _ يعني الكتابة _ ينبغي له أن يكون عارفًا بذلك؛ لأن فيه فوائد كثيرة، منها أنه يُضَمِّن كلامه بالآيات في أماكنها اللائقة بها ومواضعها المناسبة لها.
ولا شبهة فيما يصير للكلام بذلك من الفخامة والجزالة والرَّوْنَق.
ومنها أنه إذا عرف مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة المودَعَة في تأليف القرآن اتّخذه بَحْرًا يستخرج منه الدرر والجواهر، ويودعها مَطَاوي كلامه، كما فعلته أنا فيما أنشأته من المكاتبات، وكفى بالقرآن الكريم وحده آلة وأداة في استعمال أفانين الكلام؛ فعليك أيها المُتَوشِّح لهذه الصناعة بحفظه، والفحص عن سره وغامض رموزه وإشاراته؛ فإنه تجارة لن تبور، ومنبع لا يغور، وكنز يُرجع إليه، وذخر يُعَوّل عليه+ (2) .
2_ الإكثار من مطالعة كتب السنة
كالكتب الستة وغيرها من الصحاح والمسانيد؛ فهي تمد الكاتب بالأساليب البيانية الراقية، وترفد مادته اللغوية والشرعية، فالنبي"أوتي جوامع الكلم، ودانت له نواصي البلاغة، ودنت له قطوف الحكمة، وتفجرت من أقواله ينابيع الفصاحة؛ فهو يتكلم بالسهل الممتنع، وبالألفاظ المعبرة المأنوسة المشتملة على الرقة، والمتانة، والإبانة عن الغرض بدون تكلف."
والأمر في ذلك يجري مجرى القرآن الكريم _ كما تقدم _.
3_ مطالعة دواوين العرب في الشعر، وحفظُ ما تيسر منها
(1) _ المثل السائر لابن الأثير 1_10.
(2) _ المثل السائر 1/30_31.