ويقول: =وأما الآيات الواردة في سياق التزهيد، والحط من متاع الحياة الدنيا فلا يقصد منها ترغيب الإنسان؛ ليعيش مجانبًا للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق.
وإنما يقصد منها _ فيما نفهمه _ حكم أخرى كتسلية الفقراء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض، ومَنْ قَصُرَتْ أيديهم عن تناولها؛ لئلا تضيق صدورُهم على آثارها أسفًا.
ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاعُ ما في طبيعتها من الشَّرَهِ، والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويتَطَوَّحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة.
فاستصغارُ متاع الدنيا، وتحقيرُ لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويُكْبِرُ بهممهم عن جعلها قبلةً يولون وجوههم شطرها حيثما كانوا+.ص38
ويقول: =حب المال هو الذي ينزع من فؤاد الرجلِ الرأفةَ ويجعل مكانها القسوة والفظاظة، حتى إذا أظلم الأفق، واسودّ جناح الليل (1) تأبط خنجرًا، أو تقلد سيفًا، وذهب يخطو خطًا خفافًا؛ ليأتي البيوت من ظهورها، ويمد بسبب إلى أمتعتها، فإذا دافعه صاحبها أذاقه طعم المنون، وانصرف ثملًا بلذة الانتصار+.ص43_44
ويقول: =ولهذا افتقرت داعية حب المال إلى وازع يسدد طيشها، ويكسر من كعوبها إلى أن تستقيم قناتها. (2)
والوازع ما ورد في مجمل الشريعة ومُفصَّلها من الأصول القابضة على أيدي الهداجين حول اختلاسها، والعاملين على اغتصابها، أو التصرف فيها بغير ما يأذن به صاحبها+.ص44
ويقول: =فمن تحيز عن أمته، وطفق يرمي في وجوههم بعبارات الازدراء، وينفث في كأس حياتهم سمًا ناقعًا _ لا نَصِفُه بصفة الغيرة، والوطنية، وإن شُغِفَ بحب ديارهم، وقبَّلها جدارًا بعد جدار (3)
(1) _ هذا تضمين من المؤلف × لقول عمر بن أبي ربيعة:
إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن
خطاك خفافًا إن حراسنا أسدا
(2) _ هذا تضمين للشاهد النحوي في باب نصب المضارع:
وكنت إذا غمزت قناة قوم
كسرت كعوبها أو تستقيما
(3) _ هذا تضمين لقول الشاعر:
أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبُّ الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
ولو تتبع أحد هذا الفن _ أعني الاقتباس والتضمين _ في مؤلفات الشيخ× لخرج بمادة علمية كبيرة.