وأيضًا فإنه إذا كان مطلعًا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه، ومن المعلوم أن خواطر الناس _ وإن كانت متفاوتة في الجودة والرداءة _ فإن بعضها لا يكون عاليًا على بعض أو منحطًا عنه إلا بشيء يسير، وكثيرًا ما تتساوى القرائح والأفكار في الإتيان بالمعاني، حتى إن بعض الناس قد يأتي بمعنى موضوع بلفظ، ثم يأتي الآخر بعده بذلك المعنى واللفظ بعينهما من غير علم منه بما جاء به الأول، وهذا الذي يسميه أرباب هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر+. (1)
13_ سلامة الذوق، ومراعاة مقتضيات الأحوال
وذلك بمراعاة حال القراء، واستشعار أنك أمامهم تنظر في تَلَقِّيهم لما تكتب.
ولا يعني ذلك أن تجاملهم على حساب الحقيقة، وإنما تحسن المدخل، وتتلطف في الوصول إلى ما تريد؛ فتسايرهم إلا أن ينحرفوا عن الرشد، وتتجنب ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق؛ فذلك مما يأخذ بالألباب، ويجعل الكتابة تأخذ طريقها إلى القلوب.
ولهذا كان حريًا بالكاتب أن يكون ذا دراية بأحوال الناس، وأن يصوغ كلامه بما تقتضيه تلك الحال؛ فالناس مختلفون مشاربَ وعاداتٍ، وأخلاقًا، وسِنًَّا، ومهنةً، ومرتبةً.
ولكل طائفة من الناس أحوال تقتضي نوعًا من الكتابة لا تقتضيه أحوال الجماعة الأخرى؛ فالجماعة الثائرة _مثلًا_ تكاتب بعبارات هادئة؛ لتكون بردًا وسلامًا على القلوب.
والجماعة الخنسة تكاتب بعبارات مثيرة للحمية، موقظة للهمة، حافزة للعزيمة.
والجماعة التي شطت وركبت رأسها تكاتب بعبارة فيها قوة العزم، ونور الحق، وفيها إرعادة المنذر، ويقظة المنقذ، وفيها روح الرحمة، وحسن الإيثار؛ ليجتمع الترغيب مع الترهيب ومع سيف النقمة ريحان الرحمة.
ثم إن للشباب نوعًا من الكتابة يثير حماسهم، ويوقظ قلوبهم.
والعلماء يجتذبهم التوقير، وعمق الكلام، ودقته.
(1) _ المثل السائر لابن الأثير 1/29.