يقول ×: =فإن من أرسل عنان شبابه في البطالات، وحل رباط نفسه فأجراها في ميادين اللذات _ أدرك من اللذة الجسمانية من ذلك بحسب ما يتفق له منها، ولا سيما إذا كان ذا مال وجمال.
ولكنها تنقضي عنه اللذة، وتفارقه هذه الحلاوة _ إذا تكامل عقله، ورجح فهمه، وقوي فكره؛ فإنه لا يدري عند ذلك ما يدهمه من المرارات التي منها الندامة على ما اقترفه من معاصي اللَّه، ثم الحسرة على ما فوته من العمر في غير طائل، ثم على ما أنفقه من المال في غير حله، ولم يفز من الجميع بشيء، ولا ظفر من الكل بطائل.
وتزداد حسرته، وتتعاظم كربته _ إذا قاس نفسه بنفس مَنْ اشتغل بالمعالي مِنْ أترابه في مقتبل شبابه؛ فإنه لا يزال عند موازنة ذاته بذاته، وصفاته بصفاته _ في حسرات متجددة، وزفرات متصاعدة، ولا سيما إذا كان بيته في العلم طويل الدعائم، وسلفه من المتأهلين لمعالي المكارم.
فإنه حينئذ تذهب عنه سكرة البطالة، وتنقشع عنه عماية الجهالة _ بكروب طويلة، وهموم ثقيلة، وقد فات ما فات، وحيل بين العَيْر والنَزَوَان (1) ، وحال الجَرِيْضُ دون القريض (2) وفي الصيف ضَيَّعتِ اللبن (3) + (4) .
(1) ـ النزوان: الوثبان ، ونزوان العير: وثوبه على أنثاه ، وأول من قاله صخر بن عمرو السلمي أخو الخنساء:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه
وقد حيل بين العير والنزوان
انظر: لسان العرب 15/319 .
(2) ـ قولهم حال الجريض دون القريض، قيل: الجريض: الغصة، والقريض: الجرة، وقيل الجريض: الغصص، والقريض: الشعر، وقال الرياشي: القريض والجريض يَحْدُثان بالإنسان عند الموت. انظر لسان العرب 7/130.
(3) ـ الصيف ضيعت اللبن: هذا مثل مشهور عند العرب ، وكذلك قولهم: حيل بين العير والنزوان، وقولهم حال الجريض دون القريض.
وهذه الأمثال الثلاثة تضرب لمن يضيع الأمر ، ثم يريد استدراكه بعد فوات الأوان ، وتقال: عند كل أمر كان مقدورًا عليه؛ فحيل دونه .
(4) ـ أدب الطلب ص135.