وقد قدم ابن جني في كتابه مباحث قيمة في علم الأصوات مستفيدًا من سابقيه، ومضيفًا إليه الكثير؛ فهو في مقدمته يتحدث عن الفرق بين الصوت والحرف، وهو يُشَبِّه الحلق والفم بالناي، ويذكر أن الحركات أبعاض حروف المد.
ثم يتحدث عن الحروف، ومخارجها، وأجناسها، ومدارجها، وفروعها المستحسنة، والمستقبحة، وذكر خلاف العلماء فيها مستقصىً مشروحًا.
وبعد ذلك يعقد لكل حرف من حروف العربية مرتبة على الحروف الألفبائية بابًا يتكلم فيه على صفاته، ومخرجه، وما يعرض له من قلب، أو إبدال، أو إدغام، كما يتعرض لكثير من القضايا النحوية.
كما تحدث عن تصريف حروف المعجم، واشتقاقها، وجمعها، كما تحدث عن مذهب العرب في مزج الحروف بعضها ببعض، وما يجوز من ذلك وما يمتنع، وما يحسن وما يقبح إلى غير ذلك مما حفل به ذلك الكتاب.
والناظر في هذا الكتاب يلحظ فيه مزايا عديدة منها على سبيل الإجمال: غزارة المادة، والوضوح، والسهولة، والشمول، والاستقصاء.
وقد طبع هذا الكتاب مؤخرًا في مجلدين طبعة طيبة معتنىً بها كثيرًا، حيث درسها وحققها د. حسن هنداوي، وقد قدم للكتاب بمقدمة رائعة بيَّن فيها شيئًا من سيرة ابن جني، وأردفها بحديث ماتع عن الكتاب، وعن سبب تسميته، وعن بعض مزاياه.
هذا وقد ظهر بعد الكتب السالفة كتب كثيرة في فقه اللغة منها على سبيل المثال:
أ_ فقه اللغة وسر العربية لأبي منصور الثعالبي430هـ: ويعد الكتاب الثاني الذي وصل إلينا حاملًا مسمى (فقه اللغة) بعد كتاب (الصاحبي) لابن فارس.
وعنوان هذا الكتاب لا يطابق مسماه تمامًا؛ إذ هو معجم للمعاني في مجمله، وفيه بعض الفصول في فقه اللغة، كحديثه عن أساليب العربية في التعبير من حقيقة ومجاز، وتقديم وتأخير، وحذف واختصار.
وفيه حديث عن الإبدال، والقلب، والنحت، وغيرها.