نحن نعرف فيما نقرأ من كلام أهل العلم في التفسير وفي الحديث وفي الفقه وفي العربية وفي غيرها أن عبارات العلماء دقيقة، فالعالم يزن الحرف ويدقق في العبارة، ويعي ما يقول، ولا يطلق العبارات الصحفية كما يقال، بل عبارة عالم موزونة، حتى أنك إذا ناقشته فيها وقلت له: أنت قلت: كذا وكذا، قال: لا أنا قلت: كذا وكذا، لأني أستحضر الاستثناءات الفلانية في كلامي، وهذا مشاهد في كلام العلماء -رحمهم الله-.
ومن تعود قراءة كلام أهل العلم عرف ذلك، ومن ابتلي بقراءة كلام هؤلاء فإنه سيجد بونًا شاسعًا فهم لا يعرفون هذا إطلاقًا.
يأتي الإنسان ويلقي محاضرة أو يحضر مؤتمرًا، أو يكتب في مجلة، أو يؤلف كتابًا ويطلق العبارات الفجة.
جلست مع أحدهم، فقلت له: أنتم تطلقون العبارات الفجة في أمور لم تتوثقوا منها، فقال: مثل ماذا؟
قلت: أنتم تقولون: إن الحديد الموجود في باطن الأرض في النواة -كما تزعمون- أنه من الشمس، وأن الأرض كانت ملتصقة مع الشمس، وأن هذا هو معنى قول الله -عز وجل-: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [ (30) سورة الأنبياء] ، ثم تذكرون مليارات السنين -تحددونها- قلت: فمن أين لكم هذا؟ أشهدتم خلقها؟ ستكتب شهادتكم وتسألون، من أين لكم هذه الأعداد التي تذكرونها؟ ومن أين لكم أن الأرض كانت ملتصقة مع الشمس؟ وأنها انفصلت عنها؟ وأن هذا الحديد الموجود في النواة -إن كان في النواة حديد- من أين لكم هذا الكلام؟؟!