الصفحة 6 من 138

باب بيان فضل المدينة وعلوها بالإسلام

(1) عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( أمرت بقَرْيَةٍ تأكلُ القُرى، يقولون يثربَ وهى المدينة، تنفى النَّاس كما ينفى الكِيرُ خبثَ الحديد ) ).

(بيانٌ) قولُهُ (( أمرتُ بقريةٍ تأكلُ القُرى ) )؛ قال الإمام النووى فى (( شرح مسلم ) ):

(( معناه: أمرت بالهجرة إليها واستيطانها. وذكروا في معنى أكلها القرى وجهين: أحدهما أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر، فمنها فتحت القرى وغنمت أموالها وسباياها. والثانى أن أكلها وميرتها من القرى المفتتحة وإليها تُساق غنائمُها ) ).

وقال الزرقانى فى (( شرح الموطأ ) ): (( قولُهُ (( أمرت بقرية ) )أى أمرنى ربى بالهجرة إلى قرية. قوله (( تأكلُ القُرى ) )أى تغلبها وتظهر عليها، يعنى أن أهلها تغلبُ أهلَ سائر البلاد فتفتحُ منها، يقال: أكلنا بنى فلان أى غلبناهم وظهرنا عليهم، فإن الغالب المستولى على الشئ كالمفنى له إفناء الآكل إياه. وفى (( موطأ ابن وهبٍ ) ): قلت لمالك: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى، لأنه من المدينة افتتحت القرى كلها بالإسلام. قال السهيلى: في التوراة (( يقول اللَّه: يا طابة يا مسكينة إنِّى سأرفع أجاجيرك على أجاجير القرى ) )، وهو قريب من (( تأكل القرى ) )، لأنها إذا علت عليها علو الغلبة أكلتها، ويكون المراد يأكلُ فضلُها الفضائلَ، أى يغلبُ فضلُها الفضائلَ، حتى إذا قيست بفضلها تلاشت بالنسبة إليها وجاء في مكَّة أنها (( أم القرى ) )، لكنْ المذكورُ للمدينة أبلغُ من الأمومة؛ إذ لا يمحى بوجودها وجود ما هى أمٌ له، لكنْ يكون حقُّ الأمومة أظهر، ـــــــــ

(1) صحيح. أخرجه يحيى بن يحيى (( الموطأ ) ) (3/ 84. تنوير الحوالك) ، وأحمد (2/ 237) ، والبخارى (1/ 321) ، ومسلم (9/ 154) ، والنسائى (( الكبرى ) ) (2/ 482/4261و6/ 430/11399) ، وابن حبان (3715) ، وأبو نعيم (( المسند المستخرج على صحيح مسلم ) ) (4/ 48/3196) جميعًا من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن يسار أبى الحباب عن أبى هريرة.

وتابعه سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد. أخرجه الحميدى (1152) ، وأحمد (2/ 247) ومسلم (9/ 154) ، وأبو نعيم (( المسند المستخرج على مسلم ) ) (4/ 48/3197) جميعًا من طريق سفيان عن يحيى بن سعيد عن أبى الحباب عن أبى هريرة مرفوعًا بنحوه.

ومعنى تأكل القرى من الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى يكون عدمًا، وما تضمحل له الفضائل أفضل وأعظم مما تبقى معه الفضائل اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت