بسم الله الرحمن الرحيم
في رحاب السيرة
عبر وعظات
اعتنى بها
أبو عامر الطيماوي
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ،اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا اللهم علمًا، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
هل نحن بحاجة إلى تعلم سيرة سيد الخلق؟
[وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ]
فإذا كان قلب سيد الأنبياء يزداد ثبوتًا بسماع قصة نبي دونه، فأحرى أن تزداد قلوبنا إيمانًا ويقينًا بسماع قصة سيد الأنبياء.
[أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ]
الإسلام بمجمله كلمتان؛ كلمة التوحيد وكلمة الرسالة، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إذًا الحديث عن رسول الله شطر الدين، بل هو جزء لا يتجزأ من الدعوة إلى الله، ذلك لأن في الحياة مثالية حالمة لا أحد يعبأ بها، وفي الحياة واقعية مقيتة لا أحد يلتف إليها، ولكن الناس يشدهون بمثالية واقعية أو بواقعية مثالية، هذا ما نجده في سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ]
... كيف يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أسوة لنا، أي قدوة لنا، إن لم نعرف ماذا فعل في بيته؟ وكيف عامل زوجته، وكيف عامل أصحابه؟ وكيف كان في السلم؟ وكيف كان في الحرب؟ إذًا معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولن يكون قدوة لنا إلا إذا عرفنا دقائق حياته.
(( اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ ) ).
نحن بحاجة إلى مسلم قدوة، كيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قرآنًا يمشي؟ نحن بحاجة إلى مسلم يمشي، إذا حدثك فهو صادق، وإذا عاملك فهو أمين، وإذا استثيرت شهوته فهو عفيف. الكلام النظري ضَعُفَ تأثيره، لماذا؟ لأن الناس كفروا بالكلمة، لماذا كفر الناس بالكلمة؟ لأن كل الممارسات التي يمارسها الناس تتناقض مع كلامهم، تأتي إلى بلد، وتتفنن في إيقاع الأذى، وقتل الأبرياء، وهدم البيوت، وتقول: أنا جئت من أجل الحرية، من أجل أن تنعموا بالحرية، هذا الكلام مع هذه الممارسات يحمل الناس على أن يكفروا بالكلمة كفرًا كاملًا، نحن الآن في مشكلة، الناس كفروا بالكلمة، ولا يمكن أن تستعيد الكلمة قدسيتها إلا بالتطبيق، الأنبياء بماذا جاؤوا؟ هل جاؤوا بالصواريخ؟ بالطائرات؟ بحاملات الطائرات؟ بالغواصات؟ بالأقمار الصناعية؟ بالكمبيوتر؟ جاؤوا بالكلمة؛ الكلمة الطيبة تفعل فعل السحر في الناس، لكن الناس اليوم كفروا بالكلمة، لأن كل الذي يقال معه ممارسات تتناقض معه، مجلس يأمر بلدًا بعيدًا أن يطبق الديمقراطية، جيد، لكنه هو يمارس القهر والقمع عن طريق حق الفيتو، أو حق النقض، المجلس قمعي، وأمره ديمقراطي، كلام مضحك، لذلك كفر الناس بالكلمة، لا يمكن أن نعيد للكلمة مكانتها إلا بالتطبيق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ ) ).
كنا في الحج مرة، ورأينا رجلا تبدو على ملامحه أنه غربي؛ هو في الحقيقة من ألمانية الغربية، علمت بعد حين أن سبب إسلامه هو أن طالبًا من سورية أقام في بيته، واستأجر غرفة، ولهذا الرجل فتاة جميلة، لم يستطع أن يضبط هذا الشاب مرة ينظر إليها، كلما وقعت عينه عليها غض بصره، هذا شيء ما استوعبه، ما هذا الإنسان؟ فحاوره، انتهى الحوار بإسلام هذا الرجل.
رجل في أمريكا اسمه جفري لنك، هذا الرجل من أكبر ملحدي أمريكا، دكتور في الرياضيات، بجامعة سان فرانسيسكو، سبب إلحاده أنه كان في التعليم الثانوي يدرس، وعنده مدرس للديانة المسيحية، وجاء إلى البيت، وانتقص هذا المدرس أمام أبيه، ما كان من أبيه إلا أن طرده من البيت، فلما طرده من البيت اعتنق الإلحاد، وتابع دراسته، وكان ذكيًا إلى درجة غير عادية، كان أستاذه بالجامعة يقول له: اخرج من القاعة، ولك العلامة التامة، كان يربك أستاذه، استقر به المقام إلى أن أصبح أستاذًا للرياضيات في جامعة سان فرانسيسكو، كانت له مكانة كبيرة في الجامعة، حتى إن أستاذه كان يستشيره أحيانًا في بعض رسالات الدكتوراه، عند أستاذه طالبة من الشرق الأوسط، نشأت مشكلة في أطروحتها، فأرسلها إلى هذا الدكتور البروفيسور جفري لنك، ليأخذ رأيه، هذا الأستاذ الجامعي الملحد الذي اعتنق الإلحاد رأى فتاة محجبة حجابًا كاملا، وفي أيام الصيف، والفتيات في أمريكة عرايا في الصيف، فقال: لا بد أن هذه الفتاة تعتنق دينًا عظيمًا، وعندها قناعات كبيرة جدًا حملتها على أن تخالف كل الفتيات في هذه البلاد، فقال هذا الأستاذ: والله لم أجرؤ على أن أحدق في وجهها، لقدسيتها، واندفعتْ بكلي إلى مساعدتها , وعكفت في اليوم نفسه على قراءة القرآن، قرأ القرآن، لكن عنده شعور أنه ليس كلام الله، فهو يبحث عن بعض الأخطاء، فلما وصل إلى قول تعالى:
[فَاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً]
قال: هنا، هنا الخطأ، له صديق في فرنسا اسمه موريس بوكاي، اتصل بها هاتفيًا، وقال له: تعال وانظر، هذا فرعون مات، فكيف قال الله عز وجل: { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ } ؟ قال: فرعون الذي قالت عنه الآية أنا رممت جثته بيدي، هو الآن في متحف مصر الفرعوني، وأسلم هذا الرجل.
في حديث جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِلنَّجَاشِيِّ: (( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيئُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ ) ).
إخواننا الكرام، حال واحد مستقيم في ألف، أبلغ من قول ألف في واحد، إن أردت مجتمع ينهض كن قدوة، كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الواحد كالألف، والمسلمون في عصور التخلف والشهوة الألف كأفٍّ، هل يُعقل أن يستنجد سيدنا خالد بسيدنا الصديق بمدد في معركة نهاوند، هو يحتاج خمسين ألف مقاتل، أرسل له الصديق واحدًا، هو القعقاع بن عمرو، فلما وصل إليه، قال له: أين المدد؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت؟! قال: أنا، واحد؟! قال: واحد، معه كتاب، فتح الكتاب، يقول سيدنا الصديق: يا خالد، لا تعجب أن أرسلت لك القعقاع بن عمرو، فو الذي نفس محمد بيده لا يهزم جيش فيه القعقاع، وانتصروا، واحد كألف، وثلاثمائة مليون مسلم لا وزن لهم اليوم، وليس أمرهم بأيديهم، ولا يملكون شيئًا.
1.أن الله سبحان الله لا يقبل دعوة محبة رسوله إلا بالدليل، لو قبلت دعوى من دون دليل لأدعى كل إنسان محبة النبي صلى الله عليه وسلم.
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ) ).
بربكم لو سألتم مليارًا وثلاثمائة مليون مسلم: أتحب رسول الله؟ يقول لك: نعم، إذًا هذا سؤال ليس له معنى، ما دام كل إنسان يدعي محبة رسول الله. لكن يعلم حقيقة ذلك عند التعارض، حينما تتعارض مصلحتك مع الحكم الشرعي مع حكم قرآني، أو مع حكم نبوي، وتقف مع الحكم الشرعي، وتضع مصلحتك المتوهمة تحت قدمك، عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، ذاق حلاوة الإيمان، من آمن بالله ربًا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، لذلك الله جل جلاله لا يقبل دعوة محبته إلا بالدليل.
إن كنا صادقين في حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم الشخصية التي نمشي في طريقها.
والحمد لله رب العالمين
الوحدة الأولى
نسب النبي صلى الله عليه وسلم وحسبه وصباه
أولًا: نسب النبي صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب"، ويكنى أبا القاسم ، واهتمام العرب بأنسابها في الجاهلية أمر لم يزده الإسلام إلا تماسكًا وانتظامًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1-شرف النسب من لوازم الدعوة فلمز الداعي في نسبه يطعن في دعوته ودليله حادثة الإفك، ومما يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم شريف النسب قوله صلى الله عليه وسلم: (( خرجت من نكاح ولم اخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء ) ). وقال: (( إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة واصطفى من كنانة قريشًا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ) ). وقال أبو سفيان: (( هو فينا ذو نسب قال هرقل: كذلك الرسل تبعث في أنساب قومها ) )، والمشهور أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وضع ديوان العطاء كتب الناس على قدر أنسابهم فبدأ بأقربهم نسبًا إلى رسول الله، قالوا: يبدأ أمير المؤمنين بنفسه فقال: لا ولكن ضعوا عمر حيث وضعه الله تعالى. فبدأ بأهل البيت ثم من يليهم حتى جاءت نوبته في بني عدي وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش. وهذه الشهادة أيضًا قدمها جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي: (( حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ) ). وقدمها المغيرة بن شعبة بين يدي يزدجر ملك فارس في غزوة القادسية: (( لقد بعث الله إلينا رجلًا معروفًا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فأرضه خير أرضنا وحسبه خير أحسابنا وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبائلنا وهو بنفسه كان خيرنا ) )، فما أحوج الدعاة إلى الله اليوم أن يفقهوا هذا المعنى في تخيرهم للمعادن النفيسة من الرجال والنساء فيضمونهم إلى ركب الدعاة فينتصرون للإسلام وينتصرون به.
2-شرف النسب سياج للداعية من السفهاء ، وعندما قال لوط عليه الصلاة والسلام لقومه وقد أرادوا إيذاءه في ضيفه [قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعقيبًا على قوله: (( رحم الله لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد ولكنه عنى عشيرته فما بعث الله عز وجل بعده نبيا إلا بعثه في ثروة من قومه ) ). ومما يشهد له قوله تعالى: [قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ] ، من أجل هذا رأينا المرحلة المكية كلها والتي استمرت ثلاثة عشر عامًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحياها في منعة من قومه وعشيرته الأقربين ، من بني هاشم والمطلب، وخاضت قريش بعدها الحرب ضد النبي صلى الله عليه وسلم لكنها لم تتمكن من النيل منه وهو في هذه الأرومة، وما انتهى الحصار بعد ثلاث سنين إلا من خلال العصبية القبلية ، إن في صفوف الكافرين نماذج تحمل الصفات الخلقية الكريمة وذات مواقع حساسة من القوة في المجتمع الجاهلي وشخصية الداعية التي تجذب هذه النماذج بخلقها وتضحياتها وتغزوها في أعماقها تدفع هذه النماذج من الكافرين إلى أن يكونوا حماة للدعوة والداعية، ومن خلال مركز القوة الذي تملكه ومن خلال بعض الأعراف والقوانين الجاهلية تستطيع أن تحتضن الدعوة وتفسح لها مجال الحرية لتنمو وإن كانت في عقيدتها على خلاف عقيدة الإسلام، أو تستطيع هذه النماذج الخيرة أن تحبط شرًا يحيق بالمسلمين، ومنعة العشيرة وشرف القبيلة فيما مضى والذي كان يرعى الدعوة حتى تبلغ أشدها يمكن أن يظهر في عصرنا الحاضر بشرف النظام ومنعة القانون عند الذين يحرصون عليه من جهة وقد بهرتهم الدعوة من جهة أخرى ولاقت جوهرًا نفيسًا عندهم وهم في مواقع المسؤولية.
3-من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه قال تعالى: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) وقال صلى الله عليه وسلم: (( يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا ) )وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله إن عبد الله بن جدعان كان يقري الضيف و يصل الرحم و يفعل و يفعل أينفعه ذلك ؟ قال: (( لا إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) )، وفي الحديث: (( هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فأبى علي ) )وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي كان يصل وكان وكان فأين هو قال في النار فكأن الأعرابي وجد من ذلك فلما قفا دعاه فقال: (( إن أبي وأباك في النار ) ). [1]
4-الحث على التسمي باسم النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن التكني بكنيته أثناء حياته فقط ففي الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فقال رجل يا أبا القاسم فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنما دعوت هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ) )، قال ابن حجر: ... وقال المالكية هو خاص بحياته صلى الله عليه وسلم ، وسُمَى النبي صلى الله عليه وسلم لم تعهده العرب ولما سئل جده عن ذلك قال سميته محمدًا ليحمده أهل الأرض والسماء ومن بر الأبناء أن يحسن الرجل اسم ولده وفي الحديث:"خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن وأصدق الأسماء همام وحارث وشر الأسماء حرب ومرة". وللنبي صلى الله عليه وسلم عدة أسماء ففي الحديث:"لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب". وفي حديث آخر في صحيح مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَمّي لنا نَفْسَهُ أَسْمَاءً . فَقَالَ: (( أَنَا مُحَمّدٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْمُقَفّي ، وَالْحَاشِرُ ، وَنَبِيّ التّوْبَةِ ، وَنَبِيّ الرّحْمَةِ ) ).
5-قال البيهقي: وزاد بعض العلماء فقال: سماه الله في القرآن: رسولًا ، نبيًا ، أميًا ، شاهدًا ، مبشرًا ، نذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه ، وسراجًا منيرًا ، ورؤفًا رحيما، ومذكرًا ، وجعله رحمة ونعمة وهاديًا.
6-الدلائل والعبر السابقة الذكر فيما يتعلق بنسب النبي صلى الله عليه وسلم إن كانت تدل على شيء فإنما تدل على قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) .
ثانيًا: حسبه صلى الله عليه وسلم:
الحسب: الصفات الحميدة التي يتصف بها الأصول، أو مفاخر الآباء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حسيبًا في قومه قد علمت العرب له ذلك وأقرت به رغم عدائها له صلى الله عليه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
حسب النبي صلى الله عليه وسلم متأصل عربًا وقرشية وأخلاقا.
فمن محاسن العرب:
أ- ذكاء وفطنة: وما اتساع لغتهم إلا دليل على قوة حفظهم وذاكرتهم فإذا كان للعسل ثمانون اسمًا وللثعلب مائتان وللأسد خمسمائة فإن للجمل ألفًا وكذا للسيف ولا شك أن استيعاب هذه الأسماء يحتاج إلى ذاكرة قوية حاضرة وقادة، وقد بلغ بهم الذكاء والفطنة إلى الفهم بالإشارة فضلًا عن العبارة [2] .
ب- ـ كرم وجود حتى سارت الركبان بكرم حاتم الطائي.
ج- أهل شجاعة ومروءة ونجدة: وكانوا يتمادحون بالموت قتلًا، ويتهاجون بالموت على الفراش
قال عنترة:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... ... ... أصبحت من غرض الحتوف بعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... ... ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل ...
وقال عنترة: ...
... لا تسقني ماء الحياة بذلة ... ... ... ... ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
... ماء الحياة بذلة كجهنم ... ... ... ... ... وجهنم بالعز أطيب منزل
د- عشقهم للحرية، وإباؤهم للضيم والذل: جلس عمرو بن هند ملك الحيرة لندمائه وسألهم: هل تعلمون أحدًا من العرب يأنف أمه خدمة أمي؟ قالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم الشاعر الصعلوك.
فدعاه لزيارته ودعا أمه لتزور أمه وقد اتفق الملك مع أمه أن تقول لأم عمرو بن كلثوم بعد الطعام: ناوليني الطبق الذي بجانبك فلما جاءت قالت لها ذلك فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها فأعادت عليها الكرة وألحت فصاحت ليلى أم عمرو بن كلثوم: وآ ذلاه بالتغلب فسمعها ابنها فاشتد به الغضب فرأى سيفًا للملك معلقًا بالرواق فتناوله وضرب به رأس الملك عمرو بن هند ، ثم قال:
بأي مشيئة عمرو بن هند ... ... ... ... ... تكون لقيلكم فيها قَطينا
بأي مشيئة عمرة بن هند ... ... ... ... ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا وتوعدنا رويدًا ... ... ... ... ... متى كنا لأمك مقتوينا
إذا ما الملك سام الناس خسفا ... ... ... ... ... أبينا أن نقر الذل فينا
ه- الوفاء بالعهد وحبهم للصراحة والوضوح والصدق: وفي قصة أبي سفيان مع هرقل لما سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الحروب بينهم قائمة قال:"لولا أن يأثروا علي كذبًا لكذبت عليه"
أما وفائهم فقد قال النعمان بن المنذر لكسرى في وفاء العرب:"وإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماءة فهي ولث وعقدة لا يحلها إلى خروج نفسه. وإن أحدهم ليرفع عودًا من الأرض فيكون رهنًا بدينه، فلا يغلق رهنه، ولا تخفر ذمته؛ وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به، وعسى أن يكون نائيًا عن داره، فيصاب، فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته، لما خفر من جواره؛ وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله"، ومن القصص الدالة على وفائهم: أن الحارث بن عباد قاد قبائل بكر لقتال تغلب وقائدهم المهلهل الذي قتل ولد الحارث وقال: (بؤ بشسع نعل كليب) في حرب البسوس فأسر الحارث مهلهلًا وهو لا يعرفه فقال دلني على مهلهل بن ربيعة وأخلي عنك فقال له: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال: نعم، قال: فأنا هو، فتركه) وهذا وفاء نادر ورجولة تستحق الإكبار، ومن وفائهم ( أن النعمان بن المنذر خاف على نفسه من كسرى لما منعه من تزويج ابنته فأودع أسلحته وحرمه إلى هانئ بن مسعود الشيباني ورحل إلى كسرى فبطش به ثم أرسل إلى هانئ يطلب منه ودائع النعمان فأبى فسير إليه كسرى جيشًا لقتاله فجمع هانئ قومه آل بكر وخطب فيهم فقال:"يا معشر بكر، هالك معذور خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من قدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره ، الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر قاتلوا فما للمنايا من بد"، واستطاع بنو بكر أن يهزموا الفرس في موقعة ذي قار بسبب هذا الرجل الذي احتقر حياة الصغار والمهانة ولم يبال بالموت في سبيل الوفاء بالعهد.
و- الصبر على المكاره وقوة الاحتمال والرضا باليسير:كانوا يقومون من الأكل ويقولون البطنة تذهب الفطنة، ويعيبون الرجل الأكول الجشع قال شاعرهم:
إذا مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... ... ... بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
وكانت لهم قدرة عجيبة على تحمل المكارة والصبر في الشدائد وقد صبر قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهم كفار على الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنين حتى كانوا يأكلون الخبط (1) وورق السمر (2) حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة ، قال سعد: (خرجت ذات يوم أبول فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد بعير يابسة فأخذتها وغسلتها ثم احرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء فقويت بها ثلاثًا) .
ز- قوة البدن وعظمة النفس: واشتهروا بقوة أجسادهم مع عظمة النفس وقوة الروح: فها هو معاذ بن عمرو بن الجموح في إحدى المعارك يسحب يده خلفه بجلدة منه فلما آذته وضع عليها قدمه حتى طرحها، ومر عبد الله بن مسعود بأبي جهل فوجده بآخر رمق فوضع رجله على عاتقه فلما رآه أبو جهل قد وطئ عنقه قال له لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا ، فعالج قطع رأسه فقطعه ولم يقدر على حمله فشق أذنه وجعل فيها خيطًا وجعل يجره حتى جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ح- العفو عند المقدرة وحماية الجار: وكانوا ينازلون أقرانهم وخصومهم حتى إذا تمكنوا منهم عفوا عنهم وتركوهم، ويأبون أن يجهزوا على الجرحى وكانوا يرعون حقوق الجيرة ولا سيما رعاية النساء والمحافظة على العرض قال شاعرهم:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... ... ... ... ... حتى يواري جارتي مأواها
أما عن حسب قريش:
فبيانه في سؤال وفد ربيعة أبا بكر عن نفسه فقال: أنا من قريش فقال: بخ بخ أهل الشرف والرياسة ، فمن أي قريش أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة، فقال: أمنكم قصي الذي كان يدعى مجمعًا قال: لا ، فقال: منكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه؟ قال لا ، قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كأن وجهه القمر يضيء في الليلة الظلماء؟ قال: لا..."."
أما عن النبي صلى الله عليه وسلم:
فحادثة الأعرابي الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم فلما عاد إلى قومه لاموه على
(1) تنبيه: إخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب.
(2) يدل على ذلك: قصة توريث الخنثى وقصيدة الأصمعي.