ثمَّ إنَّ كثيرًا مما نُشِر آنذاك قد انطوى، ودَرَس، ويُخشى أن تَطَالَهُ يدُ النِّسيان، وتعدو عليه عوادي الضياع؛ فيُحرمَ هذا الجيلُ خيرًا عظيمًا من ذلك التُّراث، ومن تلك التَّجارب التي تسمو بهمَّة قارئها، وترتقي بأساليبه الكتابيَّة أو الخطابيَّة، وتكسبه خبرة ودراية، وتختصر عليه كثيرًا من الوقت والجهد، وتوقفه على مدى ما وصلت إليه العقول في تلك الفترة، وتُقْصِره عن كثير من البحث في الأطروحات التي طرقت، وقتلت بحثًا، وأخذًا، وردًا.
كما أن بعض تلك المقالات قد خرجت في طباعة رديئة، ولم تراع فيها قواعد الترقيم؛ مما قد يغلق فهمها على كثير من القراء.
ومن هنا نشأت فكرة جمع شيء من تلك المقالات، وانتقائها، وإعدادها للنَّشر إعدادًا ملائمًا؛ لعلَّها تحقِّق الأغراض السابقة، وتمد قارئها بقسط وافر من العلم والفكر، وتفتح له آفاقًا من المعرفة والتَّجربة، وتوقفه على شيء من تلك الأساليب البيانيَّة الرَّاقية، وتُعرِّف القارئ بكُتَّاب في بلاد لم تأخذ حظَّها الكافي من الدِّراسة والبحث، فيظن بعض الناس أنَّها خِلْوٌ من الفكر والكتابة، مع أنَّها قد بلغت الذُّروة في العلم، والأساليب، كما هو الحال في بلاد تونس، والجزائر _كما سيتبيَّن من قراءة بعض ما خطَّتْهُ أنامل بعضِ العلماء والكُتَّاب هناك _.
ولقد احترت كثيرًا في الطريقة الملائمة لنشر تلك المقالات: هل تنشر كلُّ كتابة في موضوعٍ ما على حِدَةٍ، وتخرج في أجزاء متعدِّدة كلُّ جزء يدور حول موضوع معيَّن؟
أو تجمع مقالات كلِّ كاتب، وتوضع في جزء وهكذا؟
أو يخرج ما تيسَّر منها، ثمَّ يخرج الباقي تباعًا ؟
وأخيرًا استقرَّ الأمر _ بعد مشورة واستخارة _ على أن تخرج في مجموعات، وكلُّ مجموعة تحتوي على عدد من الموضوعات لعدد من الكُتَّاب؛ حتَّى يجد القارئ في كلِّ مجموعة ما يلائم ميوله أيًا كان مع مراعاة قرب بعض تلك المقالات من بعض في الموضوع.