هذا هو مثال طريق الجنة، وطريق النار؛ طريق النار فيه كل ما هو لذيذ ممتع تميل إليه النفس، ويدفع إليه الهوى، فيه النظر إلى الجمال ومفاتنه، فيه الاستجابة للشهوة ولذاتها، فيه أخذ المال من كل طريق، والمال محبوب مرغوب فيه، وفيه الانطلاق والتحرر، والنفوس تحب الحرية والانطلاق، وتكره القيود.
وطريق الجنة فيه المشقات والصعاب، فيه القيود والحدود، فيه مخالفة النفس ومجانبة الهوى، ولكن عاقبة هذه المشقة المؤقتة في هذا الطريق اللذة الدائمة في الآخرة، وثمرة اللذة العارضة في طريق النار: الألم المستمر في جهنم؛ كالتلميذ ليالي الامتحان؛ يتألم حين يترك أهله عاكفين على الرائي [1] يشاهدون ما يسر ويمتع، وينفرد هو بكتبه ودفاتره، فيجد بعد هذا الألم لذة النجاح، وكالمريض يصبر أيامًا على ألم الحمية عن أطايب الطعام فينال بعدها سعادة الصحة.
وضع الله الطريقين أمامنا، ووضع فينا ملكة نفرق بينهما، نعرف بها الخير من الشر؛ سواء في ذلك العالم والجاهل، والكبير والصغير، كل منهم يستريح ضميره إذا عمل الخير، وينزعج إذا أتى بالشر؛ بل إن هذه الملكة موجودة حتى في الحيوان؛ القط إذا ألقيت إليه بقطعة اللحم أكلها أمامك متمهلًا مطمئنًا، وإذا خطفها ذهب بها بعيدًا، فأكلها على عجل، وعينه عليك؛ يخاف أن تلحق به فتنزعها منه، أفليس معنى هذا أنه أدرك أن اللقمة الأولى حق له، والثانية عدوان منه.
أليس هذا تفريقًا منه بين الحق والباطل، والحلال والحرام؟
والكلب إذا عمل حسنًا تمسَّح بصاحبه، كأنه يطلب منه المكافأة، وإذا أذنب نأى فوقف بعيدًا يبصبص بذنبه، كأنه يبدي المعذرة أو يتوقع العقاب.
وهذا تأويل قوله تعالى: { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } [البلد: 10] .
(1) الرائي والرائي: كلمتان وضعتهما للتلفزيون، وهما اسم فاعل بمعنى اسم المفعول على المجاز العقلي، كقوله تعالى: { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } [القارعة: 7] أي: في عيشة مرضية.