فغدا بيت المقدس بلد (إبراهيم) الخليل وموطنه, ومكث بها مدة, ثم خرج منها إلى مصر, إثر قحط دبَّ في الشام, ثم عاد إليها, خوفًا على زوجته من فرعون مصر آنذاك, الذي حاول الظفر بها ولكن الله تعالى أنجاها منه ورد كيد الكافر, فأطلق سراحها وأخدمها (هاجر) ، التي ولدت بعد ذلك إسماعيل, فلما غارت (سارة) من (هاجر) وولدها, أمر الله تعالى إبراهيم خليله, أن يرتحل بهاجر وإسماعيل إلى أرض مكة المكرمة, وكانت مكة حين ذاك واديًا لا زرع فيه ولا ضرع، فتركهما هناك بأمر ربه، وعاد إلى أرض التيمن وحفظ الله هاجر والغلام, وفجّر لهما في الوادي ماءً عذبًا أبرك من غيث الغمام, فانجفل إلى مكة لسكناه الأنام, وفي إحدى زيارات الخليل إلى مكة من بلاد الشام, بني بمعاونة ابنه إسماعيل الكعبة البيت الحرام, أشرف المساجد في أشرف البقاع, ودعا لأهلها باليمن والبركات وأن يرزقوا من كل الثمرات مع قلة المياه, وعدم الأشجار والزروع والثمار, وهنا ذكر بعض العلماء أنه لما عاد إلى مهاجره بيت المقدس بنى المسجد الأقصى.
من أول من بنى المسجد الأقصى؟
اختلف العلماء من أهل التفسير والحديث والتاريخ في تعيين أول من وضع المسجد الأقصى, وبتتبع أقوالهم واستقرائها, بدا لي أنها لا تخرج عن ثلاثة آراء:
الأول: إن آدم عليه السلام هو الذي أسس كلا المسجدين, ذكر ذلك العلامة ابن الجوزي, ومال إلى ترجيح هذا الرأي الحافظ ابن حجر في الفتح, واستدلّ له بما ذكره ابن هشام في كتاب"التيجان"أنّ آدم لما بني الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه. وبناء آدم عليه السلام الكعبة مشهور وفيه عدة آثار:
1 -روى ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (لمّا كان زمن الطوفان رفع البيت, وكان الأنبياء يحجونه, ولا يعلمون مكانه حتى بوّأه الله لإبراهيم وأعلمه مكانه) .