الصفحة 22 من 513

الظَّالِمِينَ ? [البقرة: 124] [1] والظلم من أبلج صوره الانحراف المنهجي ، وتتعدد

صور هذا الانحراف تبعًا لتعدد مصادر التلقي والتفقه ، وأكبرها مقتًا عند الله وأشدها

أذى على العمل الإسلامي تلك التي تكدّر صفاء الرؤية العقدية وتشذ عن مألوف

الدين ومعروفه ، وتحاول أن تجعل منه مادة جامحة ، أو جافة مخلوطة بما هو

غريب عنه . وقد عرف مجتمع الإسلام هذا النوع من الانحراف في وقت مبكر من

تاريخه ، وكان من جراء ذلك تنامي توجهات تحمل خللًا منهجيًا في تدينها ؛ فمنها

من آثر خلخلة قواعد المجتمع وقتال أهله على مواجهة الكفر ومجاهدته ظنًا منه أن

ذلك أفضل ما يتقرب به المرء إلى الله كالخوارج الذين يقرؤون القرآن ولا يجاوز

حناجرهم ، وإن منها من كسب انحياز السلطان نحوه ؛ فسخر ذلك لإعلاء كلمته ،

واستغله في فرض انحرافاته المنهجية على غيره ؛ كما فعل المعتزلة في عهد

المعتصم (رحمه الله وغفر له) مع الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله) .

الانحراف المنهجي في واقع العمل الإسلامي:

والعمل الإسلامي اليوم ليس على براءة من ذلك الإرث المنحرف ؛ فكثير من

شبابه وبعض من قياداته من يؤصل لهذا الفهم السقيم ويزيّنه في قلوب المتحلقين

حوله حتى إن قياديًا بارزًا رأيت له مؤلفًا يعدّد فيه منجزات حركته التي منها إعادة

الاعتبار إلى الفكر الاعتزالي في نطاق الحركة وتفاعلاتها الفكرية . وهذا من شأنه

أن يحيي تلك المواقف التاريخية التي انبهرت بأطروحات الفلسفة اليونانية

ومعاييرها في إصابة الحق ، ويبعث فيها من جديد روحَ تخطي النصوص

وإخضاعها لتلك المعايير ؛ الأمر الذي يحول دون تعميق التمايز الفكري بين الجانب

الإسلامي والآخر المزاحم ، في حين أن نقاء مصدر التغيير الإسلامي وتفرده في

تكوين الذات وتشكيل مفاهيمها ومنهجها ضرورة لا بد منها تحتمها طبيعة هذا الدين . ولقد أدرك سيد قطب رحمه الله هذه الحقيقة حين أكدها بقوله: (ولكني أقرر وأنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت