ومد الأستاذ يدين مرتجفتين لتمسح دموعًا حرى انهمرت من عيني الفتى فرأى الأحزان قد نسجت سترًا . بدا نجيب فيه حزينًا ذاهلا دامعًا وبعد أن هدأ روعه رفع حاجبيه وطار إلى الأفق حيث كان يستمع إلى حديث أمه وشكواها المتواصلة ، فالعمل قد ضاق على والده، وقبل أن تثمر غرسات الوالد انقطع شريان الماء ، فجفت الأزاهير والبراعم .. لم يفكر أحد بالإسعاف الأولي أو المبدئي ، جميع من حولنا يركضون خلف عرباتهم التي تحمل رياشهم .. ربما رمى أحدهم لنا شيئًا من فتات مائدته أو قمامات أدواته مغطاة بنظرات الشفقة والرثاء ومختومة بعبارات المن والأذى .
تحملت أمي وتحمل جميع الأهل جبال هموم الفقر ، لكن أخي الذي كان يدرس في الخارج - وقد اقترب من نيل شهادة عالية بتقدير مشرف - لم يرحمه أحد من عباد الله فكاد أن يقطع دراسته ويبتر آمال أمي وأحلام أبي وتحرم العائلة جميعها من أكل ثمرة واحدة قد تحمل غراس ثمرات قادمة.صمت نجيب قليلا ثم أردف بصوت حزين: أكلتنا الفاقة يا أستاذ..الغذاء الذي يمد به الأغنياء الفقراء سام مدمر غير ذاك الذي تمدنا به دروسك يا أستاذ .
حاولت الهرب من الذل والكآبة والحزن والآهات والدموع التي استعمرت حياتنا الأسرية .. تجولت في الشوارع ليلًا ونهارًا ، بحثًا عن هواء نظيف ينعش كياني ، فأنعشني هواء الليل ولفحتني شمس النهار.
وتعرفت إلى أصحاب وزملاء،تماسكت وشائجنا ، وعلقت آمالنا على سفوح همومنا . وهمس لي أحدهم: هل تبحث عن إسعاف و إغاثة ؟ أجبت بحماس:
أجل أجل .
إذن أخبر أهلك أنك ستعمل منذ الليلة القادمة في شركة لتوزيع البضائع الضوئية وهذه شركة لا تعمل إلا ليلًا !! تساءلت بلهفة:
بمقابل ؟ فأجابني بثقة وسرور:
يبلغ مئات الدولارات كل ليلة !!