وهذه الآية دلت على مسألة مهمة جدًا، وهي أنه لا يكفي أن تحب الله! لا يكفي أن تحبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لابد من أن تقدِّمَ حبَّ الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم على أيِّ شيء.
قال عبدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ - رضي الله عنه -:كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي . فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الْآنَ يَا عُمَرُ» [البخاري] .
قال ابن حجر رحمه الله:"قال الخطابي: حبُّ الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام حب الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. قلت: فعلى هذا فجواب عمر أولًا كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه؛ لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى، فأخبر بما اقتضاه الاختيار، ولذلك حصل الجواب بقوله: «الآن يا عمر» أي: الآن عرفت فنطقت بما يجب" (فتح الباري 11/528) .
الخصلة الثانية: وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» [رواه أبو داود]
هذه هي حقيقة العبودية لله تعالى، أن تجعل شرع الله دليلًا في كل شيء، إذا أحببت أحببت لله لا لهوى نفسك، وإذا أبغضت زيدًا فلأنه من العصاة الذي يبغض الله فعالهم، لا لأنه سبك أو نال منك أو لموقف معين.