وأختم بهذه القصة التي أوردها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (15/426) في ترجمة أبي الحسن الكرخي المعتزلي، قال الإمام الذهبي رحمه الله:"لما أصاب أبا الحسن الكرخي الفالجُ في آخر عمره، حضر أصحابه، فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج، والشيخ مقل ولا ينبغي أن نبذله للناس، فكتبوا إلى سيف الدولة بن حمدان، فأحسَّ الشيخ بما هم فيه، فبكى، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني، فمات قبل أن يحمل إليه شيء. ثم جاء من سيف الدولة عشرة آلاف درهم، فتصدق بها عنه. توفي رحمه الله في سنة أربعين وثلاث مئة، وكان رأسا في الاعتزال، الله يسامحه"
ولا أدري .. أيكون عجبي من حال أبي الحسن، أم من إنصاف الذهبي!؟ رحمهما الله.
الثلاثية الثامنة عشرة
ثلاث وصايا لمعاذ - رضي الله عنه -
عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أنه أراد سفرًا، فقال يا نبي الله أوصني. قال: «اعبد الله لا تشرك به شيئا» ، قال: يا نبي الله زدني. قال: «إذا أسأت فأحسن» . قال: يا رسول الله زدني. قال: «استقم وليحسن خلقك» أخرجه ابن حبان في صحيحه.
هذه الوصية النبوية لمعاذ - رضي الله عنه - اشتملت على ثلاثة أمور، من ظفر بها نال خيري الدنيا والآخرة.
الوصية الأولى في هذا الحديث: «اعبد الله ولا تشرك به شيئًا»
ولي مع هذه الوصية ثلاث وقفات:
الأولى: أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا بعبادة الله، وهذه هي العلة التي من أجلها أوجد الله الخلق، قال تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ، وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
وما من رسول أرسله الله تعالى إلا أمر قومه بعبادة الله.