ذلك الخطأ المسلكي كما لو كان الطبيب قد دأب على وصف الأدوية المخدرة لمرضاه، أو كان يصف أدوية قاتلة لمن يوصفون باليأس من حياتهم، أو كان يصف أدوية تتعارض مع القواعد المعروفة في علم الأدوية فهل يجوز للصيدلي في هذه الحالات ونحوها بيع الدواء أو يمتنع عن بيعه فقط أو ينبه الطبيب عن خطئه؟
الأصل الشرعي أن البائع مكلف، والتكليف يقتضي عدم بيع ما يضر بالغير، والأصل أن الصيدلي مؤتمن ويفترض في المؤتمن ألا يخون أمانته فهذا أصل من أصول الشريعة، وفي ذلك قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (1) · وقال رسوله عليه الصلاة والسلام: (أد الأمانة إلى من ائتمنك) (2) · ولا شك أن المريض قد ائتمن الطبيب حين سلم نفسه له، وطلب منه مداواته، وائتمن الصيدلي حين أراد شراء الدواء منه، ويفترض أنه لا يعرف أوصافه ولا تركيباته فإذا خانه أحدهما أو كلاهما فاشترى دواء يضره فقد ارتكب الفاعل عملًا من أعمال الغش المحرمة، وأصبح مسئولًا عما وقع للمشتري من ضرر، وعلى هذا لا يجوز للصيدلي بيع الدواء إذا اكتشف أن في الوصفة الطبية أي خطأ مادي أو مسلكي فإن لم يفعل أصبح شريكًا للطبيب ومتضامنًا معه في المسئولية· وقد نص نظام مزاولة مهنة الصيدلة والاتجار بالأدوية والمستحضرات الطبية في المملكة العربية السعودية على أنه: (يجب على الصيدلي أن يمتنع عن صرف الدواء إذا ظهر له أي خطأ في الوصفة، ويجب عليه في هذه الحالة أن يستفسر عن صحة هذا الخطأ من الطبيب الذي حرر الوصفة قبل صرفها) (3) ·
ولكن هل يكتفي الصيدلي بالامتناع المجرد فقط أم يجب عليه تنبيه الطبيب عن خطئه، وإذا كان التنبيه واجبًا عليه فما هي درجة هذا الوجوب وهل هو مجرد نصح لا يترتب على تركه مسئولية؟
قلت: وهذا يدخل في وجوب إنكار المنكر امتثالًا لقول الله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (1) · وامتثالًا لقول رسوله الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (2) ، ولما كان خطأ الطبيب في وصف الدواء وما يؤدِّي إليه من ضرر للمريض يعتبر منكرًا فقد وجب على الصيدلي إنكار ذلك عليه، وليس هذا الإنكار مجرد نصح خلقي وإنما هو