-وقال أبو سعيدٍ البصريّ [1] : ... النّحوُ يبسطُ من لسانِ الأَلْكَنِ * والمرءُ تُكرِمُهُ إذا لم يَلْحَنِ
وإذا طلبتَ مِن العلومِ أجلَّها * فأجلُّها عندي مُقيمُ الألسُنِ
-وممّا يُروى لأبي الأسود الدّؤليّ قوله [2] :
ولا أقولُ لقِدْرِ القوْمِ قد غَلِيَتْ ... ولا أقولُ لبابِ الدّارِ مَغْلوقُ
لكنْ أقولُ لِبابي مُغْلَقٌ وغلَتْ ... قِدْري وقابَلَها دَنٌّ وإبْريقُ
أي: إنّني فصيحٌ لا ألحنُ.
-قال صاحب الرّيحان والرّيعان [3] :واللّحنُ قبيحٌ في كُبراء النّاس، وسَراتهم، كما أنّ الإعرابَ جمالٌ لهم، وهو يرفعُ السّاقط مِن السَّفِلَة، ويرتقي به إلى مرتبة تُلحِقُه بمَن كانَ فوق نَمَطِه وصنفه.
-وقال كذلك [4] :وكانَ مَن يُؤثِرُ عقلَه مِن الخلفاءِ يُعاقِبُ على اللّحْن، ويَنفِّرُ مِن خطإِ القولِ، ولا يُجيزُ أنْ يُخاطَبَ به في الرّسائل البُلْدانيّة، ولا أنْ يُوقََفَ به على رؤوسِهِم في الخُطَب المقاميّة.
وها هم الخلفُ من أعلام العصر، يقتفون أثرَ السّلفِ، ويسيرون على خُطاهم في رَصْدِ الأغلاط، والتّحذير من الأخطاءِ؛ وما ذلك إلاّ ذوْدًا عن حِياضِ العربيّة لِتبقى صافيةَ المشرب، وردًّا لِعوادي التّغريب من تَهجينِ لغة العرب، والزَّجِّ بها في زوايا الإهمال؛ لأنّها - زعموا - لا تَفي بحاجاتِ العصرِ، ولا تَستجيبُ لمطالبِ الإنسان.
إنّها مقالةُ كلِّ مهزوم، خسيس الهِمّة، خامل الإرادة، ممّن رضعَ ثقافةَ الغرب بقَضِّها وقَضِيضِها، حتّى أضحى لا يُفكِّرُ إلاّ بعقولِهم، ولا ينظرُ إلاّ بأعينِهم، فالحَسَنُ عنده ما استحسنُوه، والقبيحُ ما استقبحُوه؛ فهو عندهم رأسٌ، وعندنا ذنَبٌ، بعدما اِرتدَّ على أُمّتِه، ومقدّساتها، ينخر في أُسُسِها، وهو يَدّعي أنّه يُقيمُ ما اِنهدَمَ مِن صَرْحِها، ويُعْلِي ما اِنهارَ مِن بُنيانِها!.
ولِلّهِ دَرُّ حافظ إبراهيم شاعر النِّيل، فلقد فاه بدرر من محاسن الشّعر، وبليغ القريض حلَّى به جبين العربيّة؛ لتصير بعده مضرب الأمثال. قال [5] - رحمه اللّه تعالى - على لسان اللّغة العربيّة يصف حالها بين أهلها:
رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي * وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حَياتِي
رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني * عَقِمتُ فلم أجزَعْ لِقَولِ عِداتي
وَلَدْتُ، ولمَّا لم أجِدْ لِعَرائسي * رِجالًا وأَكْفاءً وَأَدْتُ بناتِي
(1) - صبح الأعشى (1/ 205 - 206) .
(2) - اللّسان (10/ 291) و (15/ 134) ،والصِّحاح (4/ 1266) ،وتاج العروس (22/ 6529) ،والمزهر (1/ 252) .
(3) - صبح الأعشى (1/ 206) .
(4) - صبح الأعشى (1/ 207) .
(5) - جواهر الأدب (1/ 2/352 - 353 الباب الرّابع) .