وَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْمَنْطِقِ: إنَّ الْقِيَاسَ الْخَطَابِيَّ هُوَ مَا يُفِيدُ الظَّنَّ كَمَا أَنَّ الْبُرْهَانِيَّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ: فَلَمْ يَعْرِفْ مَقْصُودَ الْقَوْمِ ؛ وَلَا قَالَ حَقًّا . فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَطَابِيِّ وَالْجَدَلِيِّ قَدْ يُفِيدُ الظَّنَّ كَمَا أَنَّ الْبُرْهَانِيَّ قَدْ تَكُونُ مُقَدِّمَاتُهُ مَشْهُورَةً وَمُسَلَّمَةً . فَالتَّقْسِيمُ لِمَوَادِّ الْقِيَاسِ وَقَعَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَاتِ الَّتِي يُقْبَلُ مِنْهَا ؛ فَتَارَةً يُقْبَلُ الْقَوْلُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ ؛ إذْ الْعِلْمُ يُوجِبُ الْقَبُولَ . وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَلَا يُوجِبُ قَبُولَهُ إلَّا لِسَبَبِ . فَإِنْ كَانَ لِشُهْرَتِهِ: فَهُوَ خَطَابِيٌّ وَلَوْ لَمْ يُفِدْ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا . وَهُوَ أَيْضًا خَطَابِيٌّ إذَا كَانَتْ قَضِيَّتُهُ مَشْهُورَةً وَإِنْ أَفَادَ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا . وَالْقَوْلُ فِي الْجَدَلِيِّ كَذَلِكَ . ثُمَّ إنَّهُمْ قَدْ يُمَثِّلُونَ الْمَشْهُورَاتِ الْمَقْبُولَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ عِلْمِيَّةً بِقَوْلِنَا"الْعِلْمُ حَسَنٌ وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ وَالْعَدْلُ حَسَنٌ وَالظُّلْمُ قَبِيحٌ"وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا مَنْ يَقُولُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّا إذَا رَجَعْنَا إلَى مَحْضِ الْعَقْلِ لَمْ نَجِدْ فِيهِ حُكْمًا بِذَلِكَ . وَقَدْ يُمَثِّلُونَهَا بِأَنَّ الْمَوْجُودَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا لِلْمَوْجُودِ الْآخَرِ أَوْ محايثا لَهُ أَوْ أَنَّ الْمَوْجُودَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِجِهَةِ مِنْ الْجِهَاتِ . أَوْ يَكُونَ جَائِزَ الرُّؤْيَةِ وَيَزْعُمُونَ: أَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْوَهْمِ لَا الْفِطْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ . قَالُوا: لِأَنَّ الْعَقْلَ يُسَلِّمُ مُقَدِّمَاتٍ يُعْلَمُ بِهَا فَسَادُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ . وَهَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ . فَأَمَّا تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي سَمَّوْهَا مَشْهُورَاتٍ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ فَهِيَ مِنْ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ الْبَدِيهِيَّةِ الَّتِي جَزْمُ الْعُقُولِ بِهَا أَعْظَمُ مَنْ جَزْمِهَا بِكَثِيرِ مِنْ الْعُلُومِ الْحِسَابِيَّةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ وَهِيَ كَمَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بَلْ أَكْثَرُ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ: أَنَّهَا قَضَايَا بَدِيهِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ ؛ لَكِنْ قَدْ لَا يُحْسِنُونَ تَفْسِيرَ ذَلِكَ . فَإِنَّ حُسْنَ ذَلِكَ وَقُبْحَهُ هُوَ حُسْنُ الْأَفْعَالِ وَقُبْحُهَا وَحُسْنُ الْفِعْلِ هُوَ كَوْنُهُ مُقْتَضِيًا لِمَا يَطْلُبُهُ الْحَيُّ لِذَاتِهِ وَيُرِيدُهُ مِنْ الْمَقَاصِدِ وَقُبْحُهُ بِالْعَكْسِ . وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ . فَإِنَّ الْعِلْمَ وَالصِّدْقَ وَالْعَدْلَ هِيَ كَذَلِكَ مُحَصِّلَةٌ لِمَا يُطْلَبُ لِذَاتِهِ وَيُرَادُ لِنَفْسِهِ مِنْ الْمَقَاصِدِ فَحُسْنُ الْفِعْلِ وَقُبْحُهُ هُوَ لِكَوْنِهِ مُحَصِّلًا لِلْمَقْصُودِ الْمُرَادِ بِذَاتِهِ أَوْ مُنَافِيًا لِذَلِكَ . وَلِهَذَا كَانَ الْحَقُّ يُطْلَقُ تَارَةً بِمَعْنَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَيُقَالُ: هَذَا حَقٌّ أَيْ ثَابِتٌ وَهَذَا بَاطِلٌ أَيْ مُنْتَفٍ ؛ وَفِي الْأَفْعَالِ: بِمَعْنَى التَّحْصِيلِ لِلْمَقْصُودِ فَيُقَالُ: هَذَا الْفِعْلُ حَقٌّ ؛ أَيْ نَافِعٌ ؛ أَوْ مُحَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ وَيُقَالُ: بَاطِلٌ أَيْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَمَّا زَعْمُهُمْ: أَنَّ الْبَدِيهَةَ وَالْفِطْرَةَ قَدْ تَحْكُمُ بِمَا يَتَبَيَّنُ لَهَا بِالْقِيَاسِ فَسَادُهُ: فَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ بَدِيهِيَّةٍ فِطْرِيَّةٍ فَإِنْ جُوِّزَ أَنْ تَكُونَ الْمُقَدِّمَاتُ الْفِطْرِيَّةُ الْبَدِيهِيَّةُ غَلَطًا مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِ غَلَطِهَا إلَّا بِالْقِيَاسِ لَكَانَ قَدْ تَعَارَضَتْ الْمُقَدِّمَاتُ الْفِطْرِيَّةُ بِنَفْسِهَا وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ الَّذِي مُقَدِّمَاتُهُ فِطْرِيَّةٌ . فَلَيْسَ رَدُّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الْفِطْرِيَّةِ لِأَجْلِ تِلْكَ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ بَلْ الْغَلَطُ فِيمَا تَقِلُّ مُقَدِّمَاتُهُ أَوْلَى فَمَا يُعْلَمُ بِالْقِيَاسِ وَبِمُقَدِّمَاتٍ فِطْرِيَّةٍ أَقْرَبُ إلَى الْغَلَطِ مِمَّا يُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ الْفِطْرَةِ . وَهَذَا يَذْكُرُونَهُ فِي نَفْيِ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى الْعَرْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَبَاطِيلِهِمْ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مُتَقَدِّمِيهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا الْمُقَدِّمَاتِ