إن التعلق بالدنيا ومحاولة التلذذ بكل ملذاتها، وفي المقابل نسيان الآخرة، وما أعد الله فيها من النعيم للمتقين، والجحيم للكفرة والمجرمين، فهذا التعلق وهذا النسيان يؤدي بالمرء إلى الحرص على هذه الدنيا لدرجة الشعور بالبقاء الأبدي بلا موت حتى يصل به الحال أن يهون حال الأمة في نظره بالنسبة لحال دنياه وينسى قوله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } (سورة آل عمران:185) .…لقد كان التعلق بالدنيا من البعض سببًا للهزيمة في غزوة أحد بعد النصر في بدايتها حيث أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله تعالى: { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ } (سورة آل عمران: 152) .
…بل إن تداعي الأمم على المسلمين واحتلال أرضهم وخيراتهم وأموالهم حتى وصل الأمر بالبعض ألا يستطيع أن يتكلم إلا بالعودة لأعداء الأمة الإسلامية من يهود أو نصارى، وهذا كله ناتج عن حب الدنيا وكراهية الموت كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قلنا أو من قلة بنا يومئذ يا رسول الله ؟ قال: بل أنتم كثير ولكن تكونوا غثاءً كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قلنا: وما الوهن يا رسول الله ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) (1) .
(1) مسند الإمام أحمد 5/278، جامع الأصول 10/28، كتاب الفتنة والأهواء رقم 7481، طبعة (2) سنة 1398هـ، دار الفكر، بيروت.