فالجواب: أن هذه القاعدة صحيحة في ذاتها، ولكن لا يستدل بها في هذا الموضع، وذلك أن الدف ليس من الأشياء الباقية على الإباحة الأصلية وإنما مستثنى من النص كما سبق تقريره.
أي محل بحثه نظرية الاستحسان في النوع المسمى استحسان بالنص كما تقدم بحثه.
ومن المعلوم أن الاستثناء لا توسع فيه، بل يجب الوقوف فيه على موارد النص، ثم إن الخلط بين العبادة واللهو، والسلوك على ذلك الخلط قربة لله تعالى، ما هو إلا بدعة مذمومة لا دليل عليها من الشرع، اللهم إلا اتباع هوى وتزيين شيطان.
ذلك أن الدف لم يستعمله النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر - بالرغم من أنه كان يذكر الله على كل أحيانه، والدف معروف عنده - فمع وجود هذا المقتضي وانتفاء المانع تكون السنة هي الترك تأسيًا.
وكذا كان أمر الصحابة رضوان الله عليهم، ومن استن بهديهم إلى يوم الدين.
فاحذر أ خي المسلم مما يزينه الشيطان من سوء الأعمال فإنها مزلة مهلكة، واعتصم بالوحي الإلهي: الكتاب والسنة، فقد تكفل النبي صلى الله عليه وسلم لمن تمسك بهما أن لا يضل أبدًا.
سابعًا: أخذ الأجرة على الضرب بالدف
إن الاستثناء وارد في استعمال الدف بشروطه، لا في جواز أخذ الأجرة على الضرب به.
ومن المعلوم أن الدف من آلات اللهو فيأخذ حكم استئجارها.
والنصوص الفقهية متفقة على عدم جواز استئجار آلات اللهو:
فحد الإجارة عند الشافعية: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم.
قال صاحب الكفاية: (وقولنا قابلة للبذل والإباحة فيه احتراز عن استئجار آلات اللهو كالطنبور والمزمار والرباب ونحوها، فإن استئجارها حرام، ويحرم بذل الأجرة في مقابلتها، ويحرم أخذ الأجرة لأنه من قبيل أكل أموال الناس بالباطل) ( [25] )
وجاء في الهداية: (لا يجوز الاستئجار على الغناء والنوح وكذا سائر الملاهي لأنه استئجار على المعصية، والمعصية لا تستحق بالعقد) ( [26] ) .
وأصرح من ذلك ما جاء في الشرح الكبير ونصه: (والراجح أن الدف والكبر جائزان لعرس مع كراهة الكراء) ( [27] ) .
فتأمل أخي المسلم، ثم اتبع. هداني الله وإياك إلى الصراط المستقيم.
ويقودنا هذا الكلام إلى مسألة معاصرة، عمت بها البلوى وهي:
أن بعض الناس ينشىء فرقة، ينعتها بـ (فرقة دينية) عملها: إقامة مجالس الذكر في المناسبات كالأعراس والمآتم، مقابل أجر معلوم.
ومجلسهم عبارة عن: قراءة للقرآن، ومن ثم أناشيد ملحنة على صوت الدف، وفي الغالب تتضمن الأناشيد استغاثات بالأموات، والاستغاثة بغير الله شرك.