إن القياس من أركانه: العفة الجامعة بين المقيس (وهو التحديد المخترع عندنا في هذا الموضوع) والمقيس عليه (وهو التحديد النبوبي) . وهذه العفة يجب أن تكون منصوصا عليها أو مستخرجة بمسلك من مسالك العلل المعروفة في علم الأصول. فالعلة في علم الأصول هي وجه الشبه عند علماء القسمان العربي، فكما يمتنع التشبيه لغة من غير وجه شبه، كذلك يمتنع القياس من غير عفة. والأذكار المحددة وقتا أو عددا ليس لأحد في الدنيا أن يقيس عليها، لعدم ظهور العلة بمظهرها المعتبر. ومن أجل هذا ذهب السادة الحنفية، وهم أعلام في القياس إلى امتناع دخول القياس في المقدرات وما شابهها لجزمهم بعدم إمكان ظهور العفة. ونحن (68) والشافعية وإن خالفناهم في الدعوى الإجمالية وجوزنا دخول القياس في المقدرات فإننا لا نجوز قياسا لم تظهر عفته، فالخلاف بيننا وبينهم في إمكان استخراج العلة فيها وعدم إمكانها، فنحن نجوز وهم يأبون. والأذكار المحددة شرعا وقتا أو عددا، إذا جئت تتفهم العلة فيها وفيما رتب عليها من المزايا كانت السماء أقرب إليك مسلكا من فهم العفة فيها. ووجه امتناع إدراك العفة أن الشارع إذا شرع عبادة مطلقة الوقت أو العدد رتب على فعلها جزاع يحصل لفاعله بحصول الفعل المطلوب في أي زمان لم ينه الشرع عن إيتاء العبادة فيه. فإن جاء دليل آخر من رسول الله يقتضي التقييد بالوقت أو العدد، رتب على المقيد بالوقت أو العدد حكما آخرا ومزية أخرى لا توجد مع الفعل المطلق عن التقييد الزمني أو العددي. فإذا عرضت الوقت أو العدد على المزية أو الحكم الفذين يختص بهما المقيد لم تجد مناسبة مدركة لنا نجعلها عفة لإلحاق غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه، والقياس لا يكون إلا بعفة، والعلة في المقدر الوقتي أو العددي غير مفهومة لنا.
ولا بد من ضرب مثال لهذه القاعدة الأصولية تفضح جهالات الجاهلين الذين ظهروا فينا لطرد العلم من الأمة الجزائرية: