الصفحة 34 من 45

وكذلك هو مستوجب للمحبة الحقيقية عادة وجبلة بما ذكرناه آنفًا لإفاضته الإحسان، وعمومه الإجمال، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفًا، أو استنقذه من هلكة أو مضرة- مدة التأذي قليل منقطع - فمن كان سببًا لمنحه ما لا يبيد من النعيم، وسببًا لوقايته مما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب [1] .

وقال ابن بطال والقاضي عياض وغيرهما - رحمه الله عليهم: (المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة [2] واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع صلى الله عليه وسلم أصناف المحبة في محبته، قال ابن بطال - رحمه الله: ومعنى الحديث [3] أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي صلى الله عليه وسلم آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به صلى الله عليه وسلم استنقذنا من النار، وهدينا من الضلال [4] .

فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه، ومن علامات حبه صلى الله عليه وسلم:

أ- الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [5] .

ب- إيثار ما شرعه عليه الصلاة والسلام، وحض عليه، على هوى نفسه، وموافقة شهواته، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... } [6] .

ج- كثرة الذكر له صلى الله عليه وسلم فمن أحب شيئًا أكثر من ذكره، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [7] .

د- ومن علامات محبته صلى الله عليه وسلم: محبة من أحب النبي- عليه والسلام- من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم، فمن أحب شيئًا أحب من يحبه. قال صلى الله عليه وسلم: (( الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا [8] بعدي، فمن أحبهم فبحبي

(1) - يراجع: الشفا للقاضي عياض (2/ 578 - 581) .

(2) - المشاكلة: الموافقة، والشاكلة: الطريقة والمذهب. يراجع: لسان العرب (11/ 357) .

(3) - وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) )

(4) -يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (2/ 16،17) .

(5) - سورة آل عمران:31.

(6) - سورة الحشر: الآية9.

(7) - سورة الأحزاب:56.

(8) - الغرض: شدة النزاع نحو الشيء، أو الهدف: أي لا تتخذوا أصحابي هدفًا ترموهم بقبيح الكلام كما يرمى الهدف بالسهم.

يراجع: النهاية (3/ 360) مادة (غرض) . وتحفة الأحوذي (10/ 365) أبواب المناقب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت