الصفحة 33 من 45

فإذا تقرر هذا: نظرت هذه الأسباب كلها في حقه صلى الله عليه وسلم فعلمت أنه صلى الله عليه وسلم جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة: أما جمال الصورة، والظاهر، وكمال الأخلاق، والباطن فهو أعلى الناس فيها قدرًا، وأكملهم محاسن وفضلًا [1] .

وأما إحسانه وإنعامه على أمته، فقد ذكره الله في كتابه العزيز في مواطن عدَّة، والتي وصفه الله-سبحانه وتعالى- بأمور، منها:

رأفته بأمته، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، وشفقته عليهم، واستنقاذهم به من النار، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ورحمة للعالمين، ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا ويتلوا عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.

فأي إحسان أجل قدرًا، وأعظم خطرًا، من إحسانه إلى جميع المؤمنين؟

وأي إفضال أعم منفعة، وأكثر فائدة من إنعامه - بعد الله - سبحانه وتعالى - على كافة المسلمين؛ إذ كان ذريعتهم [2] إلى الهداية، ومنقذهم من العماية [3] ، وداعيهم إلى الفلاح، ووسيلتهم إلى ربهم، وشفيعهم والمتكلم عنهم والشاهد لهم، فقد استبان لك أنه صلى الله عليه وسلم مستوجب للمحبة الحقيقية شرعًا؛ لما ورد في ذلك من النصوص، كقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [4] .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) ) [5] .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ... ) )الحديث [6]

وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه- لما قال له عمر: يا رسول الله!، لأنت أحبّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: (( لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك ) ). فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبّ إليَّ من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الآن يا عمر ) ) [7] .

(1) - يراجع: الشفا (2/ 79 - 109) .

(2) - الذريعة: الوسيلة، والجمع: الذرائع. يراجع: لسان العرب (8/ 96) مادة (ذرع) .

(3) - العماية: الضلال، وهي فعالة من العمى، وعماية الجاهلية: جهالتها. يراجع: لسان العرب (15/ 97، 98) مادة (عمي) .

(4) - سورة التوبة:24.

(5) - - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (1/ 58) كتاب الإيمان، حديث رقم (15) .ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (1/ 67) كتاب الإيمان، حديث رقم (44) .

(6) - - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (1/ 60) كتاب الإيمان، حديث رقم (16) .ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (1/ 66) كتاب الإيمان، حديث رقم (43) .

(7) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (11/ 523) كتاب الإيمانوالنذور، حديث رقم (6632) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت