أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب منهمكًا من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله، فهذا من المصرين، وهذه النفس هي الأمارة بالسوء، ويخاف على هذا سوء الخاتمة . فإن مات هذا على التوحيد، فإنه يرجى له الخلاص من النار، ولو بعد حين، ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفي لا يطلع عليه، إلا أن التعويل على هذا لا يصلح، فإن من قال: إن الله تعالى كريم، وخزائنه واسعة، ومعصيتي لا تضره، ثم تراه يركب البحار في طلب الدينار، فلو قيل له: فإذا كان الحق كريمًا فاجلس في بيتك لعله يرزقك، استجهل قائل هذا وقال: إنما الأرزاق بالكسب فيقال له: هكذا النجاة بالتقوى .
إذن معنى الحديث الذي أسلفت عرضه هو حال ذلك التائب الذي سلك طريق الاستقامة، إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه، لا عن عمد، ولكنه يبتلى بها بعض أحواله من غير أن يقدم عزمًا على الإقدام عليها، وكلما أتى شيئًا منها لام نفسه، وندم وعزم على الاحتراز من أسبابها، فهذه هي النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة، وهذه في الحقيقة رتبة عالية أيضًا، وهى أغلب أحوال التائبين، لأن الشر معجون بطينة الآدمي، فقلما ينفك عنه، وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره، حتى يثقل ميزانه، فترجح حسناته. (12)
الحديث الخامس
وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم:"من تاب قبل أن تطلع الشمس مِنْ مغربها تاب اللَّه عليه". (13)
شرح الحديث:
يقول الشيخ ابن عثيمين في شرحه لهذا الحديث: