وذهب جمهور الأصوليين من معتزلة ومتكلمين والفقهاء إلى اشتراط طول الصحبة، وكثرة اللقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، على سبيل التبع له، والأخذ عنه. ولهذا قالوا: إن الرجل لا يوصف ولو أطال مجالسة العالم بأنه من أصحابه إذا لم يكن على طريق التبع له والأخذ عنه (1) ومما لا شك فيه أن المعول عليه في تعريف الصحابي إنما هم أئمة الحديث والسنة؛ لأنهم هم أهل الشأن والاختصاص، فعلماء الحديث مثلًا يقومون بتعريف الصحابي، وعلماء الأصول يبحثون ما يتعلق بحجية قوله من عدمه،.وقد بَيّن بدران أبو العينين (2) الصلة بين الفقيه والأصولي فقال: (وهذه القواعد الأصولية التي وضعها الأصولين يعمد إليها الفقيه ويستخدمها كقواعد مسلم بها في استنباط الحكم الشرعي العملي الجزئي من الدليل، فهو إذا أراد التوصل إلى الحكم الشرعي الوارد في قوله تعالى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) ينظر في هذا النص فيجده من النواهي، فيقصد إلى قاعدة الأصولي في النواهي وهي"النهي يفيد التحريم"فيتوصل بهذه القاعدة إلى حكم القتل وأنه التحريم وهكذا يتضح مدى استعانة الفقيه بالقواعد الأصولية في استدلاله وتوصيله إلى الحكم. ومما يدل على صحة تعريف أهل الحديث للصحابي، وأنه الحق الواجب اتباعه دون ما عداه لما رواه مسلم في صحيحه (3) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (يأتي على الناس زمان. يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس. فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وحديث أبي سعيد هذا يدل على شيئين: على أن صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: هو من رآه مؤمنًا به وإن قلت صحبته؛ كما قد نص على ذلك الأئمة أحمد وغيره. وقال مالك: من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو شهرًا أو يومًا أو رآه مؤمنًا به فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك. وذلك أن لفظ الصحبة جنس تحته أنواع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإحكام للآمدي 2/ 82، علوم الحديث لابن الصلاح 293
(2) أصول الفقه الإسلامي له 32 - 35.
(3) صحيح مسلم 4/ 1962