المبحث الرابع: في حجية قول الصحابي
من المستحسن قبل الشروع في ذكر الخلاف في حجية قول الصحابي، وتحرير موطن النزاع فيه أن أُبَيِّن ما المراد بقول الصحابي.
فأقول إن المراد بقول الصحابي (1) : هو ما ثبت عن أحد من لصحابة ولم تكن فيه مخالفة صريحة لدليل شرعي من رأي أو فتوى أو فعل أو عمل اجتهادي في أمر من أمور الدين.
وتسمى هذه المسألة عند الأصوليين بأسماء منها: قول الصحابي أو فتواه أو تقليد الصحابي أو مذهب الصحابي. بل ذهب الشاطبي رحمه الله (2) إلى أن السنة تطلق على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد، لكونه اتباعًا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم، فإن إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم. وبناء على ما سبق فإن الصحابي إذا قال قولًا:-
-فلا يخلو من أن يشتهر قوله و يوافقه سائر الصحابة على ذلك أو يخالفوه أو لا يشتهر أو لا يعلم اشتهر أم لم يشتهر، فإن اشتهر قوله ووافقه الصحابة فهو إجماع. (3) وإن اشتهر فخالفوه فالحجة مع من سعد بالدليل. وحينئذٍ الحجة فيه لا في كونه قول صحابي. وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا؟. فهذا هو موطن النزاع. والذي عليه العلماء السابقون و الأئمة المتبوعون أبوحنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى و جمهور أصحابهم أنه حجة. قال أبوحنيفة رحمه الله (4) إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات عن الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه من شئت وأدع قول من شئت ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب ... فلي أن أجتهد كما اجتهدوا.
وقال (5) (ما بلغني عن صحابي أنه أفتى به فأقلده ولا أستجيز خلافه)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية 23
(3) المعتمد 2/ 66، الإحكام لابن حزم 4/ 615،المستصفى1/ 271،التمهيد لأبي الخطاب3/ 324،شرح الكوكب المنير 2/ 212، إرشاد الفحول 74.
(4) ذكره الصيمري في كتابه أخبار أبي حنيفة وأصحابه 10
(5) شرح أدب القاضي 1/ 185 - 187