فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 36

الجواب: أن النفي في الآية، وكذلك في قوله ـ صلى الله عليه وسلم - (( لا يمس القرآن إلا طاهر ) ). يصلح أن يكون نظير قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن مكة: (( لا يُعضدُ شجرها ) ) [1] فإنه خبر عن الشارع ، أي لا يحل أن يعضد شجرها ، فإن وقع خلاف ذلك فهو غير الشرع [2] . وكذلك قوله تعالى (( لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) )معناه: حقه وقدره ألا يمسه إلا طاهر [3] . فإن وقع خلاف ذلك فهو غير الشرع ، فيكون الله قد أراد ذلك شرعًا ولم يرده قدرًا ، وهذا على المعنى الثاني الذي تؤيده القراءات ، ونصوص السنة عند جمهور أهل العلم ، أما على المعنى الأول فالأمر واضح . والآية محتملة للجميع ، وفي هذا دليل على عظمة القرآن ودقة ألفاظه ، وسعة معانيه ، فالآية الواحدة قد تحتمل معاني عدة ، ويخاطب بها الكافر والمؤمن في آن واحد ، بأوجز عبارة وأحسن إشارة .. فسبحان الحكيم العليم ، وما أحسن ما قاله الإمام ابن القيم - رحمه الله - في معرض حديثه عن الاستنباط والفهم ، قال:"والمقصود أن الواجب فيما علّق عليه الشارعُ الأحكامَ من الألفاظ والمعاني أن لا يتجاوز ألفاظها ومعانيها ، ولا يقصر بها ، ويعطي اللفظ حقه ، والمعنى حقه ، وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه ، وأخبر أنهم أهل العلم ، ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ، ونسبة بعضها إلى بعض ، فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله ومشبهه ونظيره ، ويلغي ما لا يصح ."

(1) - أخرجه البخاري في الصحيح في أبواب الإحصار وجزاء الصيد ، باب لا ينفر صيد الحرم 2/651 ح 1736بعناية: مصطفى البغا ، جار القلم ، دمشق - بيروت . ط 1 1401هـ .

(2) - انظر: أحكام القرآن لابن العربي 4/1738، وإظهار الحقّ المبين بتأييد إجماع الأئمّة الأربعة على تحريم مسّ وحمل القرآن لغير المتطهرين لابن عابد المالكي، ت بسام اليوسف ط1: ص112.

(3) - انظر: المحرر الوجيز لابن عطية 14 / 271 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت