بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ... وبعد:
فهذا بحث مقتضب في (تحقيق قول إمامنا أبي عبد الله أحمد بن حنبل في حكم المضمضة والاستنشاق في الطهارتين) الكبرى والصغرى، وكان باعثه أني وجدت الشيخ عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله- قد نقل عن ابن المنذر قوله:"لا خلاف في أن تاركهما-أي المضمضة والاستنشاق- لا يعيد" [1] وهذا النص ظاهر في عدم وجوبهما حتى عند الإمام أحمد، أو أنه يوجبهما ولكن لا يرى شرطيتهما لصحة الوضوء والغسل، مع أن المشهور من مذهبه هو القول بوجوبهما في كلا الطهارتين = فعزمت - مستعينًا بالله - على التحقق من ذلك، والله الموفق.
وهذا أوان الشروع في المقصود:
أولًا: بعد البحث في كتب الأصحاب المعتمدة، وكتب المحققين منهم، تبين أن هذه المسألة من المسائل التي كثرت وتعددت فيها الروايات عن أبي عبد الله، مع أن المنصوص عنه في ذلك قليل - حسب ما وقفت عليه -فربما تكون هذه المسألة من المسائل التي تعددت الروايات فيها عن الإمام بسبب تجاذب أفهام الأصحاب لكلامه، ودونك هذه الروايات:
-فرُوي عنه وهي المشهور من المذهب القول بوجوب المضمضة والاستنشاق في الطّهارتين الصغرى والكبرى، قال في الإنصاف:"هذا المذهب، وهو من مفردات المذهب" [2] ، وقال أبو العباس ابن تيمية:"في ظاهر المذهب" [3] وذكر النووي أن المشهور عن أحمد أنهما شرطان لصحتهما [4] ، ولم أجد من الأصحاب من ذكر هذا التوضيح، وإن كان في كلامهم ما يدل على هذا حين كلامهم في سقوطهما سهوًا حيث ذكروا أن ثَم روايتين؛ قال
(1) حاشية الروض المربع 1/ 182.
(2) 1/ 325. وينظر: المغني 1/ 166،وشرح المنتهى 1/ 98، وكشاف القناع 1/ 118، والمنح الشافيات للبهوتي 1/ 156.
(3) شرح كتاب الطهارة من العمدة لابن تيمية 1/ 177.
(4) المجموع شرح المهذب 1/ 400.