بحث بلاغي بعنوان
جامعة الأزهر كلية اللغة العربية قسم البلاغة والنقد
الوسائل البيانية وبلاغتها في حديث النبي"صلى الله عليه وسلم"
د / سعيد أحمد جمعة
الأستاذ المساعد في كلية اللغة العربية فرع شبين الكوم 1429 هـ 2008 م
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله حمدا يليق بجلاله وكماله , والصلاة والسلام على النبي وآله , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين , وبعد: فإن من أهم القضايا التي تشغل البلاغة العربية إيصال المعنى إلى المتلقي , في هيئة لا لبس فيها , ولا خفاء , وإزالة كل ما يعترض المعنى من عقبات قد تُخفي بعضا من المقصود , أو تحجبه حجبا كاملا عن المتلقي , وكلما كان المعنى واضحا كان الأسلوب أبلغ , والمتكلم أفصح. والذي لا شك فيه أن المعنى لا يصل إلى السامع عن طريق اللفظ وحده , وإنما تساعده أمور أخرى تتآزر معه في حمل المراد , وهي ما تسمى بالوسائل الإيضاحية , التي يستعين بها المتكلم من حركة وإيماء , أو رسم وتوضيح , ومن هنا بزّ بعض المتكلمين بعضًا , وعلا بعضهم فوق بعض , ومن هنا أيضا يفترق الأسلوب المقروء عن الأسلوب الذي يحمله صاحبه بنفسه ويلقيه على الحاضرين فيقف حيث أراد , ويصل حيث أراد , ويحرك يده أو رأسه , أو يشير بيده حيث أراد معنى خاصا , ولعلك تدرك هذا الفرق الكبير بين الأمرين حين تقرأ نصا من النصوص , وحين تسمعه من صاحبه يجسده لك تجسيدا , ويصوره لك تصويرا. ومن هنا كان لابد من إبراز دور هذه الوسائل في حمل المعاني وبلاغتها في تجلية المراد , وتوكيده حتى لا يبقى في نفس المتلقي شبهة. وتثور هنا عدة أسئلة , منها: هل ينقص المعنى عند حجب هذه الوسائل؟ وهل لجوء المتكلم إليها لنقص عنده , أم لعجز في اللغة , أم لسبب آخر؟ و ما هذه الوسائل ,وهل يمكن الابتكار فيها أم أنها محدودة؟ وما علاقة كل ذلك بالبلاغة العربية؟ تلك هي مثيرات البحث , ودوافعه في عالم يمتلئ بالجديد , ويكاد اللفظ فيه يتوارى خلف الصورة التي ملأت أركان الدنيا , واستحوذت على العقول فلا يكاد أحد يستغني عن هذه الوسائل وهذه التقنية التي لاتزال تقذف إلينا كل صباح بجديد , مما يشعرك وأنت تتكلم عن اللفظ وحده بأنك قادم من زمن آخر. ولكي يكون البحث ذا قيمة عالية اخترت له ميدان الوحي , وهو حديث المعصوم - صلى الله عليه وسلم - فلقد قال الله تعالى (وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) سورة النحل 64 فكان النظر في حديث النبي نظرًا في طبيعة البيان ومقوماته , وطرائقه التي سلكها ليوصل مراد الله تعالى إلى عباده , ولقد حاولت أن أنظر في الشعر القديم , لكن المؤسف أن الرواة نقلوا إلينا الألفاظ , وضنوا علينا بما يصاحبها من وسائل أنا على يقين من أن الشعراء أودعوها قصائدهم أثناء إلقائها , لكن حين نُقلت هذه القصائد ذهب كل شيء فيها ولم يبق إلا اللفظ. ولقد اخترت الحديث الشريف ليكون ميدانا للنظر , وذلك لعدة اعتبارات , منها: أن الغاية من دراسة البلاغة , وتعليمها للناشئة هي حسن تدبر بيان الوحي - قرآنا وسنة - والذي يؤدي بدوره إلى حسن العمل , ورضى الله تعالى. تلك هي الغاية التي من أجلها ندور في فلك البلاغة تعلما وتعليما. وأمر آخر: وهو أن رواة الحديث - جزاهم الله عن هذه الأمة خيرا - لم يتركوا شاردة ولا واردة من بيان النبي صلى الله عليه وسلم إلا نقلوها إلينا , مع اللفظ , فنقلوا إشاراته , وأحواله , وحركاته , وسكناته التي صاحبت ألفاظه. وكأنها حجج وبراهين على صدق اللفظ , أو زينة وتحبير للمعاني , وهي قبل ذلك وبعده من لوازم التعبير عن خفايا الصدور. وهذا ميدان واسع يحتاج إلى تنقيب عن البلاغة المصاحبة للفظ في بيانه صلى الله عليه وسلم. وهذا البحث ينتهج في مجمله المنهج التحليلي لبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي اعتمد في الأساس على هذه الوسائل. أما خطة البحث فإنها تحوي مقدمة وتمهيدا , وثلاثة فصول وخاتمة وفهارس في المقدمة أعرف بالبحث وطبيعته , وأهميته , وميدانه , ومنهجه وخطته. وفي التمهيد ألقي الضوء على مفهوم الوسيلة البيانية , وعلاقة هذه الوسائل بالبلاغة العربية. وفي الفصل الأول: أتناول بالتحليل تصوير المعنى بأعضاء الجسد .... وفيه مبحثان الأول: تصوير المعنى باليد. والآخر: تصوير العدد بالأصابع وهو ما يطلق عليه"دلالة العقد"وفي الفصل الثاني: البيان بالحال أو:"دلالة الحال"ثم الفصل الثالث: البيان بالوسائل الخارجية , وفيه ثلاث مباحث: الأول: البيان بالخط. والثاني: البيان بالحصى. والثالث: البيان بالعصى. ثم تأتي الخاتمة وفيها ألخص ماتوصلت إليه , وما أوصي به أقراني , ثم الفهارس. التمهيد مفهوم الوسيلة التعليمية: ـ يقول الجاحظ: (زعمت الاوائل ان الانسان انما قيل له: العالم الصغير سليل العالم الكبير , لأنه يصور بيده كل صورة ويحكي بفمه كل حكاية , - فهو الوحيد من بين المخلوقات الذي يجمع مع الألفاظ المنطوقة