لكانت إجابته:"لأنه ما من إسناد من ذلك إلا ونَجِد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه ، عريًِّا عما يُشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان"
ويهمنا كثيرًا معرفة عود الضمير في قوله:"من ذلك"أي من تلك الأسانيد التي في زمانه ، والتي تُروى بها الأحاديث المسندة في الأجزاء الحديثية في الأزمنة المتأخِّرة .
وما الذي حملني على هذا الفهم ؟
أقول:
قول ابن الصلاح نفسه في أول كلامه:"إذا وجدنا فيما نَروي من أجزاء الحديث وغيرها"فهو فيما يَروي هو أو يَروي غيره من الأجزاء الحديثية وغيرها ، أي مما اتّصل إسناده إلى زمانه .
ولا يُنتقد على ابن الصلاح كونه ذَكَر الحفظ والضبط والإتقان ، لأن الضبط ضبطان:
ضبط صدر ، وضبط كتاب .
فلا يُتعقّب بأنه اشترط الحفظ ، والحفظ ليس من شرط الصحيح .
لأنه جمع بين ثلاثة أوصاف: الحفظ والضبط والإتقان .
وقد قال: أعلم أن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود منها في عصرنا وكثير من الأعصار قَبْلَه إثبات ما يُروى ، إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يَدرِي ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطًا يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته ، وإنما المقصود بها بقاء سلسلة الإسناد التي خُصّت بها هذه الأمّة (1) .
فهو قد بيّن قصده من الضبط والحفظ ، وأن الضبط خفّ في الأعصار المتأخِّرة ، وخُفِّف في قبول الرواية .
والذي يؤكِّد أنه قَصَد ما يُرْوَى في زمانه من أجزاء بأسانيد أهل زمانه أنه نصّ في آخر كلامه على ذلك فقال:"وصار معظم المقصود - بما يُتداول من الأسانيد خارجًا عن ذلك - إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة".
فهذا نصّ واضح جليّ في أنه يعني بذلك الأسانيد التي في زمانه .
وهذا شِبه اتِّفاق .
(1) قواعد التحديث ، للقاسمي . ص (225) .