و رجاله كلهم ثقات، فهو صحيح إن كان ابن جريج سمعه من مجاهد.
وفي الباب عن الحسن البصري قال: نزلت هذه الآية (ومن الناس .. ) في الغناء والمزامير.
ولهذا قال الواحدي في تفسيره"أكثر المفسرين على أن المراد ب (لهو الحديث) الغناء، قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن."
ومن الآثار السلفية الدالة على حكمة التحريم:
أولا: عن ابن مسعود قال:"الغناء ينبت النفاق في القلب"أخرجه ابن أبي الدنيا في"ذم الملاهي"ومن طريقه البيهقي في"السنن"وفي"شعب الإيمان"وصحح الألباني.
وله طريق آخر، يرويه سعيد بن كعب المرادي عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود بلفظ أتم، قال:"الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإيمان كما ينبت الماء البقل"أخرجه ابن أبي الدنيا وغيره.
مع ملاحظة هامة، وهي أن اللام في قوله تعالى: (ليضل) إنما هو لام العاقبة كما في"تفسير الواحدي"، أي: ليصير أمره إلى الضلال كما قال ابن الجوزي في"الزاد"، فليس هو للتعليل كما يقول بعضهم، وله وجه بالنسبة للكفار الذين يتخذون آيات الله هزوا.
-فائدة: قال ابن القيم رحمه الله عقب أثر ابن مسعود المتقدم"فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي؟ قيل: هذا من أدلِّ شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي بالسم."
فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق ونباته فيه كنبات الزرع بالماء.
فمن خواصه: أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدا، لما بينهما من التضاد، فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى ويأمر بالعفة ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغي وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويُحَسِّنه، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي فيثير كامنها