الليل متجهّم عابس .. كأنه قد اسود أكثر من اللازم .. لا تكاد ترى من خلاله شيئا ، إلا شُعلًا نارية متناثرة هنا وهناك ، ينوس من بينها التماعات سيوف ورماح وفؤوس ودروع .. تكاد تتقلص وتنكمش على نفسها من شدة الزمهرير .
وما إن تقلّب ناظريك في الأفق ، وتلحظ كثرة اللّمَع وانتشارها الواسع ، إلا وتدرك أنك أمام جيش عرمرم جرار تنبعث منع أشباح الرعب وروائح الدماء والأشلاء ..
وقرب إحدى النيران ، تكوّم مجموعة من الجند ، بالكاد تميز ملامحهم من انعكاسات النار على وجوههم وأجسادهم المتلاصقة ببعضها من البرد .
-بحق مريم الطوباوية ، نكاد ننسحق من هذا البرد القارص ، ونخاف حتى من ظلالنا .. لا لشيء إلا لجنون الأهوج فرناندو !
هكذا قال أحد الجنود بنزق ، فأجابه صوت آخر:
-تمهل .. تمهل يا صاحبي .. إنها مجرد ليال ونجلي الكفار من غرناطة ونرفع الصلبان فوق مآذنهم .
فرد عليه بضحكة صغيرة:
-أتمنى لك أحلاما سعيدة يا سيدي. - اسخر كما شئت .. فغرناطة ليست بأحصن من قرطبة أو إشبيلية أو سائر مدن الأندلس التي تهاوت تحت جبروتنا . - ولكن لا تنسى أنها آخر معاقلهم .. والإنسان ينقلب وحشًا كاسرًا إن لم يتبق له شيء يخسره !
فجاء صوت من آخر الحلقة الملتفة حول النار ، جاء صوته ضعيفا:
-مادامت روح مريم معنا .. فالنصر لنا ولكل مسيحي مخلص !
فسكت القوم ، وكأنهم رضوا بهذه النهاية المقنعة للنقاش .
وساد الصمت من جديد ، إلا بقية أصوات لحركة جنود هادئة في الهزيع الأخير من الليل ..
إنه الجيش القشتالي يحاصر غرناطة ، آخر معاقل الإسلام في الأندلس ، ويطوقها كقبضة فولاذية خانقة ؛ وتحت وطأة هذا الليل الجاثم على الصدور ، تنتشر الكوابيس ، ويستبد الهلع ، وتضيق الأجساد بأرواحها ، وكأن مارد الخوف العملاق يحمل منجله على كتفه ، ويرقب المشهد من قريب بابتسامة ساخرة ...