الصفحة 329 من 381

1.رفض القول بالحلول: فالنصارى بالغوا في تعظيم عيسى عليه السلام فجعلوه إلهًا،"فلهذا قال للنصارى {لا تغلوا في دينكم} و {ولا تقولوا على الله إلا الحق} ، يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان وروحه" (11) ، بل المسيح عيسى بن مريم عبد من عباد الله ورسله، و {كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} [النساء من الآية 171] ، ويستشعر الرازي الإشكال الذي وقع فيه النصارى، وهو تأليههم لعيسى من خلال قولهم بأنه كلمة الله وروحه فيدفعهم ذلك إلى القول بالحلول والاتحاد بين اللاهوت والناسوت، غير أن القرآن أكد القول بأن عيسى كلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم. ويلجأ الإمام الرازي إلى البحث عن معنى"الكلمة"وفي هذه المرة لا يستعمل الأدلة الفلسفية بقدر ما يلجأ إلى المنطق القرآني ذاته، من خلال إجابة القرآن على هذا الإشكال، وهو قوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [ آل عمران: 59] ، فلماذا لا يستغرب النصارى خلق آدم، ويستغربون ولادة عيسى، والآية في خلق آدم أدعى إلى تأليهه من تأليه عيسى، فما داموا لا يؤلهون آدم فمن باب أولى عدم تأليه عيسى، ولعلنا نقول أن في هذه الآية دليلا عقليا هو قياس الأولى، أو بتعبير آخر هو الاستواء في طريقة الخلق. وكما قال الرازي:"والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة" (12) كما أشارت الآية. وينتقل بنا الإمام إلى الحديث عن (الروح) ، ويرى أن في هذه المسألة عدة وجوه؛ الأول: أنها تشريف، لأن عيسى خلق من غير نطفة الأب بل من نفخة جبريل عليه السلام، فهي علامة تشريف، أما (منه) فهي إضافة إلى الله تعالى، والمراد منها إضافة نسبة وتشريف، أي أن الله شرّفه وأعلى من شأنه. والثاني: أنه كان سببا لحياة الخلق في أديانهم، ولذلك قال الله تعالى في شأن القرآن: { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] ، لأن القرآن أحي الناس لما أخرجهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت