الصفحة 8 من 13

وحين حل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة كتب بينه وبينهم عهدًا أمنهم فيه على حريتهم الدينية، وطقوسهم، ومعابدهم، وأموالهم، وأبقاهم على محالفاتهم مع الخزرج والأوس، وأوجب لهم النصر والحماية، مشترطًا ألا يغدروا، ولا يفجروا، ولا يتجسسوا، ولا يعينوا عدوًّا، ولا يمدوا يدًا بأذى، وأوجب عليهم نصر المؤمنين والاتفاق معهم كحلفاء، ولكنهم لم يلبثا أن تطيروا من استقرار الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأخذوا ينظرون بعين التوجس إلى احتمال رسوخ قدمه، وانتشار دعوته، واجتماع شمل الأوس والخزرج تحت لوائه بعد ذلك العداء الدموي الذي كانوا من دون ريب يستغلونه في تقوية مركزهم، وقد كانوا يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم سيجعلهم خارج نطاق دعوته، معتبرين أنفسهم أهدى من أن تشملهم هذه الدعوة، وأمنع من أن يأمل في دخولهم في دينه، بل إنهم طمعوا أن يتهود وخصوصًا حين رأوه يصلي إلى قبلتهم، ويعلن إيمانه بأنبيائهم وكتبهم بلسان القرآن ويجعل ذلك جزءًا لا يتجزأ من دعوته قال تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة: 120) .

ولكن ظنهم خاب، ورأوه يدعوهم في جملة الناس، بل يخصهم بلسان القرآن أحيانًا بالدعوة ويندد بهم؛ لعدم مسارعتهم إلى استجابتها، ولموقفهم منها موقف الانقباض ثم موقف الكفر والتعطيل.

وبدأ اليهود رحلة كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم حين ذهب وفد يهودي إلى مكة لتحريض قريش على المسلمين والتحالف معهم على استئصال شأفتهم، وقد ذهبوا مع زعماء قريش إلى الأصنام، فتبركوا بها، وحلفوا لهم عندها على صدقهم في محالفتهم، وسألهم زعماء قريش بالله ما إذا كانوا أهدى في دينهم وعقائدهم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أم أن محمدًا وأصحابه أهدى، فقالوا لهم: إنهم هم الأهدى، وبذلك سجلوا أبشع وصمات العار بكفرم بالله بعد أن تبين لهم الهدى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت