فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 788

في العراق اليوم.. المدينة تلو المدينة تنتظر دورها في الدمار والخراب والقتل والتشريد.. وأمتنا تقف موقف المشاهد، ورغم وضوح الصورة وقوة الصوت وبشاعة المشهد، ورغم العيون التي لم يصبها العمى بعد، والآذان ما زالت تسمع، فإن الاستجابة مخزية.. وكأن القوم يرون مشهدًا سينمائيًا مؤلمًا، أو يسمعن أغنية عاطفية مؤثرة كالتي أشربوها من قنواتهم ومذائعهم.

ماذا نقول لربنا عن خذلاننا لإخواننا في الدين وقد استنصرونا وهو القائل - سبحانه: { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} ماذا نقول لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو القائل (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخدله) وهو القائل أيضًا: (ما من امرئ يخذل امرأً مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله) ماذا نقول يا أمة المليار عن عائلة عراقية مؤلفة من خمسة عشر شخصًا قُتِلت.. ماذا نقول لربنا عن طفلة عراقية ماتت ولم تتجاوز ستة أشهر.

ماذا نقول.. وهم ليسوا بعيدًا عنا فنعتذر بطول السفر؟ ماذا نقول وقد ذُبحوا بغير ذنب، هل نعتذر عن عدم النفرة لشدة الحر: { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} ؟ ماذا نقول وليس بيننا وبينهم إلا أسلاك شائكة؟

ماذا فعلنا لتلك الدموع المنهمرة التي تستغيث بنا ليلًا ونهارًا.. فما زادنا ذلك إلا فرارًا.. فمعذرة العراق.. قد فُجعْتِ بنا ولم نُفجع بك.. عندنا صَمَتَ كلُ شيء، وعندكم حركتم الأرواح تبذلونها رخيصة في سبيل الله.. نحن مُتنًا جُبْنًا في جلودنا، وأنتم الذين تصنعون الحياة بموتكم.. فمعذرة العراق إنه زمن الهوان..

معذرة أيتها النائحة الثكلى على والد أو زوج أو أخ أو ولد.. فما عادت نخوتنا كما كانت، وما عادت شهامتنا كما كانت.. وما عاد الشرف الرفيع الذي لم يسلم من الأذى تراق على جوانبه حتى قطرة من دمع!!

معذرة بني!! أيها الصغير حين لم تجد فينا رجالًا يضمونك إليهم، يهدئون روعك، يؤمنون خوفك، يشبعون جوعك، أو حتى يمسحون دمعك!!

معذرة أخي المجاهد.. خذلناك وما خلفناك في أهلك ومالك بخير.. خذلناك وما أمددناك ولا نصرناك.. ولا حتى واسيناك!!

معذرة أيتها النساء.. حزنا بحزنكن.. وفرحنا بقوتكن وصمودكن أمام دبابات وصواريخ تحملون السلاح.. تدافعون عن دينكم وأمتكم..

ألف أسف على أمة يدافع عنها نساؤها.. يحمي أعراضها نساؤها، تجود بأرواحها نساؤها.. حماية للقاعدين.. حماية للمتثاقلين إلى الأرض.. حماية للمخلفين.. فمعذرة العراق..

يا أمة المليار ونصف المليار.. هل تعلمين أن أهلنا في العراق قد تردت أوضاعهم، وكثر عدد شهدائهم، تمزقت أجسادهم، وتقطعت أطرافهم، وانتشروا في الطرقات وتحت أنقاض البيوت، ألا يحق لي أن أقول صارخًا: وا فضيحتاه!!

في العراق … خراب ودمار وقتل وتشريد.

في العراق … أطفال أبرياء يُقتلون.. ونساء ضعاف يُذبَّحون.. وشيوخ كبار يُؤسرون.

في العراق … صياح وصراخ وبكاء

اليوم وليس غدًا إخوانكم هناك في ثغور دائمة مطيَّبين بالكفاح مُضخنين بالجراح.. اليوم الدماء مهدرة والبيوت مهدَّمة.. اليوم الجرحى يتساقطون في الشوارع ولا أحد يُسعفهم أو يُنقذهم.. أطفال أبرياء يُقتلون، وسيِّدات مُسِنَّات يُذبَحْن، ومساجد هُدِّمت، والصلبيون متسلطون.. واللهِ إن الخطب جسيم، والمأساة أليم.. ونحن والله ثم والله ثم والله مسؤولون عن مناظر القتل والحصار التي نسمع عنها أو نراها عبر الشاشات أو نطالعها عبر الجرائد والمجلات.. مسؤولون عن مناظر القتل والحصار التي يمارسها الصليبية كلاب الروم.. وكثير منَّا لا يحرك ساكنًا.. تقع أمامهم الحوادث وتتلَهِمُّ الخطوب، فلا يألمون لمتؤلم، ولا يَتَوَجَّعون لمستصرخ، ولا يحنون لبائس، بل الأعظم من كل ذلك أنَّه في ذات الوقت الذي يُذبح فيه المسلمون ترى كثيرًا منَّا لاهين عن مُصابِهم في إقامة مهرجانات سياحية تُسوِّقُ للعهر والفجور، أو دورات وبطولات رياضية، أو رقصٍ على جراح الأمة بحفلات غنائية.. فإلى الله المشتكى..

فهل هذا هو الشعور بالإخوة الإسلامية.. وهل هذه هي النخوة العربية التي تميزت بها العرب.. هل يُعقل أن تتحرك المظاهرات في البلاد الأجنبي والدول الكافرة باستنكار ما حدث ثم ترى العربَ والمسلمين لا يحركون ساكنًا.. إن إخواننا في العراق يودُّون عنا الواجبات التي قصَّرنا فيها.. يؤدُّونها بعمليات استشهادية حين يقوم شبابٌ منهم بتقديم أنفسهم شهداء في سبيل الله ليقتلون العدو الغادر.. فهم يؤدون الواجب الذي قصَّرنا فيه.. ثم نحن نقصِّر عن دعمهم بالمال، حتى الدعاء بخلنا به، حتى القنوت في المساجد.. ترى كثيرًا من أئمتنا وهم من أهل الخير تركوا القنوت.. بالرغم من أنه قنوت أمر به ولاة الأمر في هذه البلاد. فأي ذلَّ وأي خوَر هذا الذي نراه..

إن عمل الصليبية هذا لَهُوَ أكبرُ ردٍّ على ما يُسمى بمشروع السلام.. ووضَّح لنا أن كلاب الروم قوم جُبناء لا يهمُّهم من السلام إلا ما يتوافق مع مصالحهم، وما يُسوِّغ بضائعهم وتجاراتهم، فهل نعِي ذلك! هل نعِي الدور الإجرامي القذر الذي يمارسه الصلبيون في دولة تُسمى زورًا وبُهتانًا راعية السلام، وهي التي تقوم بكل تلك الممارسات.

يا أمة المليار ونصف المليار إن كنت لا تعلمين بذلك ولم تسمعين به فتلك مصيبة، وإن كنت تعلمين بذلك فالمصيبة أعظم.

يا أمة المليار ونصف المليار.. ما بالكم.. أين غيرتُكم! أين حسَّكم الإسلامي! أين الشعور بالجسد الواحد! أين تمعُّر الوجوه! أين عاطفتكم! ألا تتحرك وهي ترى هذه الدماء وهذه التهديدات.. والله إننا لنخشى أن يعُمَّنا الله بعقوباته المتعددة من زلازل وفيَضانات وفقْد للأمن وجوع وغير ذلك { وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} .

نداءات كثيرة سمعناها، وأهوال كثيرة رأيناها، فما الذي تحرك فينا، تحركنا في تظاهرات صوتية، وبكينا على أسرة وعائلة عراقية.. ومن حرك منا يده فبالقلم أو بالهتافات والشعارات المنبرية، أو بالدعوة للمقاطعة عن المنتجات الأمريكية تضامنًا مع القضية العراقية.

وما أعز وما أفرح الناس إلا تلك الانتصارات التي أوجعت كلاب الروم كثيرًا، ففي الوقت الذي صمتت فيه كل الأسلحة.. عسكرية أو اقتصادية أو سياسية.. نطقت أفواه الأطفال والنساء والشيوخ، نطقت أرواح الشهداء في العراق لتسمع العالم كله أن أمتنا لن تموت موت الخراف، ولن تذل ولن تخنع ولن تساوم، وستقاوم كل الجهود التي تعمل على إيجاد موطئ قدم لدولة إمريكا في أرض الشام.

في العراق لن تحل القضية في مجلس الأمن ولا في الأمم المتحدة، ولا في البيت الأبيض ولا بالدبلوماسية العرجاء، ولا بالتسول السياسي... قضيتنا حسمها الله - عز وجل - فقال: { قاتلوهم يعذبهم الله بأديكم ويُخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقرة، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلًا لا ينزعه حتى تعودوا إلى دينكم) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت