فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 788

نقل عن عامر بن عبد قيس أن رجلا قال له: كلمني، فقال له: أمسك الشمس (1) . يعني أوقف لي الشمس واحبسها عن المسير حتى أكلمك، فإن الزمن دائب المضي، لا يعود بعد مروره، فخسارته لا يمكن استدراكها؛ لأن لكل زمن ما يملأه من العمل. وكان الواحد منهم يحفظ كل لحظة من زمنه حتى في حال النزاع. نقل في ذلك عن ثابت البناني أنه قال: ذهبت ألقن أبي، فقال: يا بني دعني، فإني في وردي السادس (2) . كما يروي الفقيه أبو الحسن الولوالجي، أنه دخل على أبي الريحان البيروني، وقد حشرج نفسه، وضاق به صدره، فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يوما حساب الجدات الفاسدات فقلت له إشفاقا عليه: أفي هذه

(1) انظر الخبر في: ابن الجوزى: صيد الخاطر، ص 18 .

(2) انظر الخبر في: أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج 2، ص 322 .

الحالة؟ قال لي: يا هذا أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرا من أن أخليها وأنا جاهل بها فأعدت ذلك عليه، فحفظ، وعلمني ما وعد، وخرجت من عنده، وبينما أنا في الطريق سمعت الصراخ عليه (1) .

ولقد كان أمثال هؤلاء يحسنون المحافظة على كل لحظة من وقتهم، حتى أن أحدهم كان يستحي من سواد الليل وظلمته، إذا مرت عليه ليال وأيام لم يقم فيها لله ركعتين. وفي ذلك يقول الفضيل بن عياض رحمه الله:"أدركت أقواما يستحون من الله في سواد الليل من طول الهجعة، إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال: ليس هذا لك، قومي خذي حظك من الآخرة" (2) .

وهاهو الإمام ابن الجوزي - رحمه الله- يصف لنا حال الناس كيف يضيعون أزمانهم في الزيارات والحديث الذي لا طائل من ورائه، ويبين لنا كيف كان يصنع إذا زاره بعض البطالين لئلا يذهب الزمن فارغا دون فائدة ترجى، فيقول رحمه الله:

"لقد رأيت خلقا كثيرا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطيلون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني، ويتخلله غيبة. وهذا شيء"

(1) انظر القصة في: الحموي، ياقوت: معجم الأدباء، ج 5، ص (123، 124) .

(2) ابن الجوزي: صفة الصفوة، ج 2، ص 241 .

يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور وتشوق إليه، واستوحش من الوحدة، وخصوصا في أيام التهاني والأعياد، فنراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان. فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهازه بفعل الخير، كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم، وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم، ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعددت أعمالا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغا. فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد (1) ، وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم، لئلا يضيع شيء من وقتي. (2) وإذا علمنا أن ذلك مبلغ حرصه على الزمن، والإفادة من كل جزء منه في القراءة والتصنيف، لم نستغرب قوله:"وإني أخبر عن حالي، ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابا لم أره فكأني وقعت على كنز.. ولو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد"

(1) الكاغد: هو القرطاس أو الورق. انظر: الفيروز آبادي: القاموس المحيط، ج 1، ص 333 .

(2) ابن الجوزي: صيد الخاطر، ص 184، 185 .

كان أكثر، وأنا بعد في الطلب، فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم، وعباداتهم، وغرائب علومهم، ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت أستزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب، ولله الحمد (1) .

وهناك من الخلف من سار على نهج السلف القويم وأدرك قيمة الزمن الذي يعيشه. فها هو الإمام حسن البنا - رحمه الله- يدرك قيمة الزمن، ويستغرب من أناس يضيعون أوقاتهم دونما فائدة ترجى، وفي ذلك يقول:

"ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء. وكم كنا نعجب إذ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة والخليون هاجعون يتسكعون بين المقاهي ويترددون على أندية الفساد والإتلاف. فإذا سألت أحدهم عما يحمله على هذه الجلسة الفارغة المملة، قال لك: أقتل الوقت، وما درى هذا المسكين أن من يقتل وقته إنما يقتل نفسه، فإنما الوقت هو الحياة" (2) .

(1) المرجع السابق، ص 337، 338 .

(2) البنا، حسن: مجموعة الرسائل، ص 169 .

إلى غير ذلك من النماذج الرائعة التي يظهر فيها حرص القوم على كل لحظة من لحظات الزمن. ولا غرابة في ذلك، فإنهم ذاقوا طعم القرآن وحلاوته، فحرصوا على وقتهم. فحري بنا أن نقتدي بتلك الكوكبة، ونسير على خطاهم، ونعدهم قدوة لأبناء هذا العصر، الذين شغل الكثير منهم باللهو والترف عن جلائل الأمور، والذين ضيعوا كثيرا من أوقاتهم فيما لا يعود عليهم وعلى مجتمعاتهم بالفائدة والخير.

ثالثا: عناية القرآن الكريم بالزمن

عني القرآن الكريم بالزمن عناية فائقة، وجاءت عنايته بالزمن من وجوه، أهمها:

1 -اعتبار الزمن من النعم العظيمة

يقول الله سبحانه في معرض الامتنان، وبيان عظيم فضله على الإنسان: { وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (1) فالليل والنهار نعمة جليلة أنعم الله تعالى بها على الإنسان، وهي

(1) سورة النحل الآية 12

نعمة ذات أثر حاسم في حياة هذا المخلوق البشري، ولا يمكن لنا أن نتصور في هذه الأرض حياة للإنسان لو كانت الدنيا نهارا بلا ليل، أو ليلا بلا نهار.

ويقول سبحانه في موضع آخر، في سياق تعداد نعمه على الإنسان: { وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } (1) { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } (2) .

فالليل والنهار مسخران"وفق حاجة الإنسان وتركيبة، وما يناسب نشاطه وراحته. ولو كان نهار دائم أو ليل دائم لفسد جهاز هذا الإنسان ؛ فضلا عن فساد ما حوله كله، وتعذر حياته ونشاطه، وإنتاجه" (3) .

2 -اعتباره من الآيات الدالة على وجود الله.

ومما يدل على أهمية الزمن في القرآن، وعناية القرآن الكريم به، أن الله سبحانه وتعالى جعل الليل والنهار وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقصر من الآيات الدالة على وجوده، فقال في ذلك: { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا } (4) فالليل والنهار آيتان دالتان على وجود

(1) سورة إبراهيم الآية 33

(2) سورة إبراهيم الآية 34

(3) قطب، سيد: في ظلال القرآن، ج 4، ص 2108 .

(4) سورة الإسراء الآية 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت