فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 788

حدث الفقيه أبو الحسن على بن عيسى الولوالجي قال: دخلت على أبى الريحان وهو يجود بنفسه ، قد حشرج نفسه ، وضاق به صدره - قد بلغ من العمر 78 سنة - فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يومًا: حساب الجدات الفاسدة - وهى التي تكون من قبل الأم - ؟.

فقلت له إشفاقًا عليه: أفي هذه الحالة ؟ قال لي: يا هذا أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة ، ألا يكون خيرًا من أن أخليها وأنا جاهل بها ، فأعدت ذلك عليه ، وحفظ ، وخرجت من عنده وأنا في الطريق فسمعت الصراخ ! ) انتهى.

8.مذاكرة العلم: وقد قيل:

إحياء العلم مذاكرته *** فأدم للعلم مذاكرته

ولقد كان سلفنا الصالح يتواصون بمذاكرة العلم ، يقول أحدهم: مذاكرة ليلة أحب إلي من إحيائها. يعني: جلوسي في هذه الليلة أتذكر العلم وأتذكر ما حفظته أحب إلي من أن أقومها قراءة وتهجدا وصلاة وركوعا وسجودا .

9.كتابة ما استفاده: فكلما استفاد فائدة أثبتها معه في دفتر أو ورقة وكررها إلى أن يحفظها . يقول العلماء:"إن ما حفظ فر وما كتب قر"، أي أن ما كتبته ستجده فيما بعد .. ويشبهون العلم بالصيد، فيقول بعضهم:

العلم صيد والكتابة قيده *** فاحفظ لصيدك قيده أن يفلت

10.أن لا يمنعه خجله من السؤال ؛ ولذلك قال بعض السلف:"لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر"، يحمله تكبره على أن يعجب بنفسه ويبقى على جهله، وكذلك أيضا يحمله خجله عن أن لا يطلب أو يستفيد ممن معه علم فيبقى على جهله.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة؛ قالت:

جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"نعم. إذا رأت الماء"فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وتحتلم المرأة؟ فقال"تربت يداك. فبم يشبهها ولدها". [27] .

وهذا ابن عباس رضي الله عنهما: مع حرصه على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته ، ودعائه له صلى الله عليه وسلم كان مجتهدا في طلب العلم من فقهاء الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير قال فقال واعجبا لك أترى الناس يفتقرون إليك قال فترك ذلك وأقبلت أسأل فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني فيقول يا ابن عم رسول الله ما جاء بك هلا أرسلت إلي فآتيك ؟ فأقول لا أنا أحق أن آتيك فأسأله عن الحديث فعاش الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني فقال هذا الفتى كان أعقل مني" [28] .

11.العمل بالعلم: فالعلم إن لم يترجم إلى عمل فما الفائدة منه ، فعلى طالب العلم كما يجد في الطلب أن يجد في العمل فإنه أولى الناس بقطف ثمرات علمه ، ولقد مدح الله عز وجل في كتابه الكريم العاملين بما علموا: قال تعالى (فبشر) أجر العاملين وحذرنا الله عز وجل من أن نقول ما لا نفعل قال تعالى (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ {17} الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ {18} ) سورة الزمر .

كما ذم الله أولئك الذين لا ينتفعون بما يحملونه من علم وشبههم عز وجل بالحمار الذي يحمل أسفارا لا يعرف قيمتها فضلا عن جهله بما تحويه من درر قال تعالى في سورة الجمعة { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 5}

وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلانا ما شأنك؟ أليس كنت تأمرننا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) . [29]

12.الدعوة إلى الله تعالى والاجتهاد في نشر العلم: أن يوظف هذا العلم في الدعوة إلى الله تعالى على هدى وبصيرة قال تعالى ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {108} ) فالداعية لا بد وأن يستغل كل مناسبة ويدعو إلى تعالى في شتى الميادين في المسجد وفي المدرسة وفي المعهد وفي السوق وفي الأعياد والمناسبات ، ولقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على نشر العلم ورغبنا فيه فعَن أنس بْن مالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه صَلى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (نضر اللّه عَبْدا سمع مقَالَتي فوعاها، ثُمَّ بلغها عَنْي. فرب حامل فقه غَيْر فقيه. ورب حامل فقه إِلَى من هُوَ أفقه منه) . [30]

وفي الختام نسأل الله عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا ، وأن يجعلنا من"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب"

[1] - سورة طه 114

[2] - سورة الكهف 66

[3] - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1 / 419 ) دار ابن الجوزي الطبعة الأولى 1414 هـ

[4] - رواه البخاري كتاب العلم باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. 1/25 ، ومسلم - كتاب الإمارة باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن السفلى هي الآخذة. - رقم / 1037

[5] - رواه مسلم كتاب الذكر والدعاء - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، وعلى الذكر. الحديث رقم: 38 - (2699)

[6] -رواه الترمذي: في السنن باب فضل طلب العلم - . 5/29 حديث (2785) وقال: حديث حسن غريب .

[7] - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر

(1) يراجع في هذا المقام كتاب /التخلف العلمي في واقع المسلمين المعاصر تأليف د/ أنس أحمد كرزون ، ط دار ابن حزم بيروت لبنان ، وكتاب ( الرسول والعلم ) للدكتور القرضاوي ط مؤسسة الرسالة بيروت وكتاب ( الإسلام والطاقات المعطلة ) للشيخ الغزالى ط دار الكتب الحديثة.

11-لماذا أسلمت للمفكر الفرنسي روجيه جارودي ص 73 ط مكتبة القرآن.

12-العلم والإيمان د / عبد الغنى الراجحي ص 54 بتصرف .

13 في ظلال القرآن 3 / 1339

(1) ماذا خسر العالم الإسلامي بانحطاط المسلمين ص 391: 392.

[13] يراجع في هذا المقام أدب الدنيا والدين للماوردي وإحياء علوم الدين للغزالي والجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي 0

[14] - سورة البينة

[15] - أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2 / 338، وأبو داود في السنن، كتاب العلم، باب: طلب العلم لغير الله تعالى حديث 3647. وابن ماجة في السنن المقدمة، باب: الانتفاع بالعلم والعمل به حديث 252

[16] - سورة البقرة

1-مناقب أبى حنيفة للإمام الموفق المكى 1/472 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت