فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 788

وممن أشار إلي حرمة المآتم وتبديعها الشيخ علي محفوظ رحمه Q تعالي وهو من العلماء المعاصرين ومن كبار علماء الأزهر وكان من أساتذة كلية أصول الدين ، وهو الذى أنشأ قسم الوعظ والإرشاد والدعوة في الأزهر الشريف ، ذكر ذلك رحمه الله تعالي في كتابه القيم ( الإبداع في مضار الابتداع ) فقال: '' وأما اجتماع الرجال في المآتم لداعية الحزن علي الميت فمعلوم أيضًا ما يستلزمه هذا الاجتماع عادة من النفقات الطائلة لغرض المباهاة والرياء بإعداد محل الاجتماع وإحضار البُسُط والكراسي المذهبة ونحوها ولا شك في حرمة ذلك ، لما فيه من إضاعة المال لغير غرض صحيح ، ولا يفيد الميت من ذلك شيئًا ، بل يعود بالخسارة على أهله ، هذا إذا لم يكن في الورثة قاصر ، فما بالك إذا كان فيهم قاصر ؟ ثم قال بعد ذلك: '' وأن ما يقع بعد الدفن من عمل المآتم ليلة أو ثلاثة مثلًا لا نزاع في أنه بدعة ولم يثبت عن الشارع ، ولا عن السلف أنهم جلسوا بقصد أن يذهب إليهم الناس لتعزيتهم ، وكانت سنته r أن يدفن الرجل من أصحابه ينصرف كل إلى مصالحه ، هذه كانت سنة رسول Q r ، وهذه كانت طريقته ، والله تعالي يقول لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (35) فلنتأس به فيما ترك كما نتأس به فيما فعل (36) .

هذه بعض أقوال الأئمة الفقهاء في حكم إقامة المآتم ، وهي صريحة في تحريم ذلك بما لا يدع مجالًا ولا ثغرة لم يشك في هذه الحرمة والله تعالى أعلم .

مفاسد المآتم

إنه مما لا ريب فيه أن الأحكام الشرعية مبينة علي جلب وتحقيق المصالح والمنافع ودفع المضار والمفاسد ، وعلى هذا فإنه إذا تعارضت المفاسد والمصالح بمعنى أنه إذا ترتب على فعل شئ ما وقوع بعض المفاسد والمصالح فإنه يترك فعل هذا الشئ وذلك درءًا لوقوع المفسدة ، وإن فات ما فيه من تحصيل المنفعة والمصلحة ذلك أن عناية الشارع بالمنهيات أعظم وأكد من عنايته بالمأمورات ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول Q r يقول [ ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ] (37) فالرسول r ينهى عن المفاسد نهيًا عامًا وقاطعًا وحاسمًا ولم يستثن من هذا النهي شيئًا من المفاسد ، وأما ما أمر به مما فيه تحقيق المصالح وجلب المنافع للناس فقيَّد فعله بالاستطاعة ، بمعنى أن المكلف بالفعل يأتي منه ما يستطيع ، وما لم يستطع فعله فإنه لا حرج عليه في تركه ولقد أكد Q تعالى ذلك في قوله لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَه (38) ومن ثم فقد قرر علماء الأصول أنه لا تكليف مع العجز قال العلامة ابن القيم: '' لا واجب مع عجز ، ولا حرام مع الضرورة '' (39) .

وأما قاعدة وأصل دفع المفسدة والمضرة وتقديمه على جلب المصلحة ، فإن دلائله وشواهده من كتاب الله تعالى كثيرة ، ومنها قوله تعالي يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِم { (40) ، ولذلك يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: '' أما إثمهما فهو في الدين ، وأما المنافع بثمنها ، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقه بالعقل والدين ، ولهذا قال تعالى } وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِم '' (41) .

وأما الدليل من السنة فقوله r من حديث عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها [ يا عائشة لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم ، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض ، وجعلت له بابين ، بابا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم ] (42) ، الحديث ، ويتضح من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك بناء الكعبة وتجديدها على قواعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام السابقة وعلة ذلك درء المفسدة التي ستترتب علي هدم الكعبة من افتتان قريش بذلك ، وهم قريبوا وحديثوا عهد بالشرك والكفر ، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المصلحة من البناء والتجديد خوف هذه الفتنة ، وهذا من باب تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة ، وفي ذلك يقول ابن القيم: '' لما فتح الله مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت دار إسلام ، عزم r علي تغيير البيت ورده علي قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك - مع القدرة عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام ، وكونهم حديثي عهد بكفر '' (43) .

هذا والمخالفات والمفاسد التي تقع وتوجد في المآتم عند إقامتها كثيرة ومنها: المظاهر التي يتظاهر بها الناس من الفخر والغرور والرياء والمباهاة بذلك أمام الناس ومنها التمييز بين الذين يأتون للعزاء في هذه المآتم وذلك أن ذوي هذه المآتم يفرقون بين هؤلاء المعزين في المجالس ، فذوا الجاه والغنى يجلسون في أماكن وعلى كراسي خصصت لهم ، والمغمورون من الناس الذين لا يعبأ بهم يجلسون في أماكن وعلى كراسي خصصت لهم ، أدنى في المستوى من الأولى ، ومنها ما يحدث في هذه المآتم من شرب الدخان المحرم ومنها: وهو الأسوأ من سابقه - وتعمد الإساءة من السامعين لكتاب Q تعالى ، وذلك بكثرة الكلام أثناء التلاوة وما يترتب على ذلك من الضوضاء ، وهم بذلك يخالفون أمر الله بالإنصات للقرآن عند تلاوته الوارد في قوله تعالي وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (44) ، وفي الكلام والضوضاء أثناء القراءة مخالفة صريحة لهذا الأمر الإلهي ، وفيه كذلك خروج ومجاوزة لحدود التأدب والتوقير لكتاب Q تعالي .

ومن هذه المخالفات التي تقع في المآتم ما يحدث من كثير من قراء القرآن فيها ، إذ لا يراعي أكثرهم آداب التلاوة ، ولا أحكامها ، ولا يلتزمون بذلك ، وكل ما يهم الكثير منهم ويعولون عليه المراءاة بالقراءة والتباهي بها أمام الناس ، وذلك بما يستعرضونه من أوجه القراءة التي لا تجوز القراءة بها إلا في مجالس العلم والدراسة لمعرفة أسانيد تلك القراءة وأوجهها الصحيحة ، وهؤلاء القراء يتعمدون القراءة بأوجه القراءة المتعددة ليسترعوا بذلك انتباه واهتمام السامعين طلبًا للشهرة والدعاية ، حتي يتسنى لهم المغالاة في أجرة القراءة والمزايدة والمتاجرة بكتاب Q تعالى والاسترزاق والتآكل به عبر مهنة القراءة في المآتم وغيرها ، وسنبين فيما بعد وعما قريب حكم الشرع في الأجرة على القرآن إن شاء Q تعالى .

ولما ذكرناه وبيناه من هذه المخالفات والمفاسد المنكرة التي تقع وتحدث في المآتم فإن الشارع الحكيم قد نهى عن إقامتها ، بل وحرمها درءًا لما فيها من المفاسد والمخالفات ودرء ذلك ودفعه مقدم على جلب المصالح والمنافع لو افترضنا أن فيها شيء من المنافع أو المصالح .

وبعد أن انتهينا من الحديث عن المآتم وأقوال العلماء فيها وبيان حكمها ، ننتقل إلى بيان حكم أخذ الأجرة على القرآن الكريم فنقول وبالله التوفيق:-

حكم أخذ الأجرة على القرآن الكريم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت