فمع مرور الأيام، تبدلت الأحوال. وفي الوقت الذي جاءت فيه أمريكا إلى عقر دارنا بالدبابة والإعلام، فإننا وإلى الآن نتغافل عن هذه الأحداث بمشاهدة مباراة أو متابعة فيلم أو سماع أغنية!! والأدهى من ذلك، أننا ننفق أموالنا على توافه الأمور بدلا من إنفاقها على مشروعات جادة من قبيل مخاطبة الغربي بلغته التي يفهمها. ولا يحق لنا أن نتساءل بعد الآن: لماذا انتصرت أمريكا في واقعنا الإسلامي والعربي؟ ولا لماذا انتصر اللوبي الصهيوني في الغرب؟ [1]
وأفرزت مقاومة الاحتلال - الأمريكي أو الصهيوني - في هذه الأيام ثقافة جديدة هي ثقافة المقاومة، وضرورة مواجهة القوة بالقوة. وبدأ يتشكل منطق القوة عند"بعض"شعوب المنطقة. فالقبول بالهيمنة الاستعمارية لم يعد واردا. والمقاومة بكل صورها وأبعادها هي الخيار الأمثل الذي ترسخ في الوعي الإسلامي. [2] ولكن لم يترسخ ذلك في نفوس الجميع بعد، وإن كنا لا ننكر ارتفاع صوت المنادين بهذا الخيار إلى حد ما عن ذي قبل.
فما زالت الأمة في عمومها في حالة سبات. ففي الوقت الذي تواجه الأمة خطر الاستئصال عن طريق الخيار العسكري في كل من فلسطين والعراق ولبنان، وخطر الانهيار المعنوي عن طريق الرسوم المسيئة لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم، وخطر الاستبدال من خلال الفيضانات وغرق السفن وتفشي وباء أنفلونزا الطيور ... في هذا الوقت الذي تواجه فيه الأمة كل هذه التحديات، إذا بقطاعات عريضة منها تفرح بالفوز في مباراة!!!
والواقع إذا كنا نحاول البحث عن أسباب هذه الظاهرة الغريبة التي أصابت المجتمع في مقتل، فأدخلته في هذه الحالة من الغيبوبة الطويلة، فإننا نفعل هذا من باب محاولة وصف العلاج الذي يمكن أن يُخرجنا من محنتنا. فوصف العلاج لا يأتي إلا بعد رصد الظاهرة رصدا فعالا وحقيقيا بحيث يشمل جميع أوجهها ومظاهرها.
قال تعالى: ? وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ? [ النحل: 89 ] . فإذا كان الأمر كذلك فلابد لنا من دراسة هذه الظاهرة في هذا الإطار. ومن الأسباب التي أدت إلى تفشي هذه الظاهرة ما يلي:
1-البعد عن كتاب الله:
تتجلى أولى أسباب حالة اللامبالاة في بُعد أفراد الأمة عن كتاب الله: هذا الكتاب المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فألقيناه وراءنا ظهريا، وأصبحنا لا نتعامل معه إلا من قبيل التبرك وحسب. لقد كان القرآن مصدر عزة المسلمين في صدر الإسلام، وسبب قوتهم. استطاعوا دحر أعدائهم وقهر خصومهم بالتزامهم بالتمسك بتعاليم كتابهم والتقيد بأوامره وتلاوتهم إياه. أما الآن فقد بعدنا تماما عن كتاب الله. وأصبحنا ندرس أية ظاهرة تحدث من حولنا بمعزل عن كتاب الله. هذا البعد عن كتاب الله أورثنا قسوة في القلب وغلظة. كما أن خطورة الحلول التي تأتي بعيدة عن كتاب الله تكمن في عدم تمسك المسلمين بالالتزام بها، بل ومحاولة خرقها. فما لم يكن النهي في صورة تعاليم موجهة من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن يتمسك بها أحد، وهذا هو الواقع الذي نعيشه الآن. وهذا هو سر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره، أذلنا الله.
2-ازدياد الفقر بصورة غير مسبوقة وتلهي الناس وراء لقمة العيش:
من أهم أسباب عدم مبالاة الناس بما يحدث من حولهم، تلهيهم وراء لقمة العيش، بحيث أصبح انشغالهم في أمور أخرى غير تحصيل لقمة العيش هو نوع من الترف الذي لا يطيقونه ولا يستطيعونه.
وبالطبع ليست مشكلة الإسلام اليوم - على عكس ما يشيع البعض - النقص المادي في الأموال والعتاد، الذي لو استطاعوا تحصيله وتكثيره فستكون لهم الغلبة ولا شك، بل جُل المشكلة التي تواجههم الآن هي في الضعف المعنوي الذي أصابهم وخدّر قواهم. فالمسلمون اليوم منهزمون نفسيا منقادون لغيرهم يعوزهم التمسك بتعاليم دينهم والاعتزاز بقيمهم.
ومن المعلوم أن الفقر لا يُخشى منه على الأمة إذا كانت نفوس أبنائها كبيرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَوَ اللَّهِ َلا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ. [3]
إن جعل سعادتنا مرتبطة على نحو جوهري بالحصول على المزيد من المال، يشكل تركة في الاتجاه الخاطئ، لأن المطلوب من المال سيظل باستمرار أكثر من المعروض، ومن ثم فإن مشاعر الحرمان ستظل مسيطرة على أعداد هائلة منا على نحو ما نلمسه اليوم حيث اتجهنا. [4]
3-تلاشي الطبقة المتوسطة:
يرتبط بالسبب السابق مباشرة، تلاشي الطبقة المتوسطة في المجتمع تحت معول الفقر. فمن المعلوم أن الطبقة المتوسطة هي الطبقة التي تمسك طرفي التضاد في المجتمع: الطبقة الفقيرة والطبقة الغنية، وهي التي يقع عليها عبء دفع المجتمع نحو التحرك، يحدوها في ذلك الأمل في الانتقال من وضعها الحالي للالتحاق بالطبقة الأعلى.
على أن السنوات الأخيرة من القرن الماضي والقليلة من القرن الحالي شهدت عدة تغييرات جذرية في الظروف الاقتصادية العالمية تركت بصماتها واضحة على التركيبة المجتمعية في معظم دول العالم، ومنها الدول الإسلامية. وتعرضت الطبقة التي الوسطى التي كانت تمثل دعامة أساسية من دعائم حماية النسيج الاجتماعي للمجتمع، تعرضت لهزات قوية في أوضاعها، مما أدى في آخر الأمر إلى تلاشيها وانتهائها.
وأصبح المجتمع في معظم دول العالم الآن يتشكل من طبقتين متمايزتين: الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة. وأصبحت الطبقة الفقيرة تضم في داخلها عدة طبقات: الطبقة الفقيرة الغنية والطبقة الفقيرة المتوسطة والطبقة الفقيرة المدقعة. هذا أدى - مع العامل السابق مباشرة - على ازدياد تلهي الناس وراء لقمة العيش، مما أصبح التكلم في الأوضاع الحياتية والاجتماعية ضربا من الرفاهة الذي لا يطيقونه لأنه يحرمهم من تكريس مزيد من الوقت للعمل، وانتزاع مزيد من المال للمساعدة على الظروف المعيشية. [5]
4-ضآلة حجم الهدف المبتغى تحقيقه في الشقة والسيارة:
ويرتبط بالسببين السابقين ضآلة الأهداف التي أصبح الفرد منا يبتغي تحقيقها. فتحت ضغط الفقر، اُختزل الحلم في نفس كل فرد في اقتناء شقة وسيارة، وابتعد بالتالي عن حلم الأمة بنشر الدين والتخلص من الغاصبين.
ومع تلاشي حلم العمل للأمة، تعددت الأهداف الفردية. وما أن ننتهي من تحقيق حلم حتى نسارع إلى تبني العمل لهدف آخر جديد.
إن الأشياء التي نتطلع إليها تتمتع بقدرة فائقة على جذبنا إليها، وكلما كانت تلك الأشياء بعيدة المنال كان إغراؤها أعظم، وكلما اقتربنا منها تراجع لمعانها. وحين نظفر بها فإن قدرتها على إمتاعنا تصبح ضئيلة، وسرعان ما يقفز بنا الخيال إلى ما يمكن أن يأتي بعدها، لنبدأ رحلة جديدة من التشهي وخداع النفس. [6]
5-خلل الموازين وتعجل التغيير:
لقد اختلت الموازين التي أصبحنا نقيس الأشياء بها من حولنا. وانظر الآن إلى ما يحدث في مجتمعاتنا من سلوكيات، وخاصة في مجال الدين:
تطور مفهوم الحجاب فأصبح يخضع للموضة، وبدلا من كونه وسيلة لكي تتستر المرأة به، أصبح وسيلة لإغراء المرأة، حتى ليمكننا أن نطلق عليه وبحق: حجاب التبرج!!
أصبحنا نؤدي الصلاة في أوقات الفراغ نختطفها خطفا وننقرها نقرا. فإذا تعارض وقت العمل على وقت الصلاة، قدّمنا العمل على الصلاة، بحجة أن"العمل عبادة"!!