إن ما يبحث في سفرنا يجعلنا ندرك الفرق بيننا وبين غيرنا فهم لم يتقدموا من فراغ ولم يسبقونا بقليل الأعمال بل إنهم بذلوا واجتهدوا وكانوا حريصين كل الحرص على الوقت حتى أن البعض ممن سافر إلى تلك البلاد يروي أنهم كانوا يستغلون أوقات السفر مهما كان قصرها في أمر نافع ومفيد فبعضهم يحمل معه كتاب يقرأه وآخر معه صحيفة يأخذ منها مراده إلى غير ذلك من وسائل النفع ولعلنا يجب أن نكون أشد حرصًا من هؤلاء على الوقت فلا نصرفه إلا في طاعة الله فإذا كنا في السفر نحرص على صرف هذا الوقت في أمر يفيدنا كقراءة القرآن أو ذكر الله عز وجل أو الاستغفار أو تصفح المجلات والصحف النافعة لنا في ديننا ودنيانا أو مدارسة العلم النافع أو الحديث النافع مع الآخرين وغير ذلك من الأمور النافعة التي تحتاج نية صادقة منا وفهما سليما لقيمة الوقت في حياة المسلم.
كان شحيحا على دينه....!!
إننا نتساءل وبأعلى صوتنا ونصرخ ونقول: أين علماؤنا الذين ينأون بأنفسهم عن مخالطة أصحاب المناصب الدنيوية خشية على الدين والدعوة ؟ سؤال إذا طرح في وقتنا هذا فستكون الإجابة قاسية ولكني أذكر علماؤنا وأذكر إخواني بهذا الموقف للإمام أبي حنيفة رضي الله لعلنا نعرف من هو العالم الحقيقي الذي يجب أن يحترم ويقدر ولعل ذلك يذكرنا بالزمن الجميل فأبو حنيفة كان قد أمر له أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور بعشرة آلاف درهم، فما رضي بأخذها فجاء إليه بهذا المال رسول الحسن بن قحطبة الوالي فدخل عليه فلم يكلمه فوضع المال في جراب في زواية البيت، فأوصى الأمام أبو حنيفة ابنه قائلًا له: إذا مت ودفنتموني فخذ هذا المال واذهب به إلى الحسن بن قحطبة فقل له: خذ وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة، قال ابنه: ففعلت ذلك، فقال الحسن: رحمة الله على أبيك فلقد كان شحيحًا على دينه.. ولقد صدق ابن مسعود حينما قال:"إن على أبواب السلاطين فتنًا كمبارك الإبل، والذي نفسي بيده لا تصيبون من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينكم مثله:".
دار المسنين... وصمة عار علينا!!!
ما هذه الدور؟ ولماذا تبنى ؟ وهل وصل بنا الحال إلى هذه القسوة على الآباء ؟ أين بر الوالدين ؟ أين رد الجميل ؟ أين تنفيذ الأمر الإلهي بالإحسان إلى الوالدين ؟ أين... وأين؟ كلها أسئلة تدور في أذهاننا حينما نمر على تلك الدور التي بنيت في بعض البلدان الإسلامية كمصر، والتي أرى أنها تعبر عن وضع سيء نعيشه ونحياه فنحن من البداية خالفنا عهدنا مع ربنا وتركنا العمل بكتابه وسنة نبيه فلا غرابة بعد ذلك أن نفرط ونترك الإحسان إلى الوالدين ولا غرابة أن نجد تلك الدور في بلادنا ولا غرابة أن نجد هذه القسوة والغلظة في نفوس الأبناء تجاه آبائهم ولا غرابة أن نجد الرجل يحب زوجته ويقدمها على حب أمه أو أن يجفو أباه ويبر صديقه، وهنا أسئل الأبناء: ألم تقرأوا في القرآن ما ورد في حق الوالدان أو تقرأوا ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ولكنها الدنيا التي تعمي القلوب وتنسي ذوي الإحسان من الآباء والأمهات فلنرجع أخوتي ونعيد النظر في برنا للوالدين وكذلك النظر في تلك الدور وهل نحن نحتاجها فعلا أم أنها مجرد وسيلة لتحسين الصورة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ؟.
ليتنا مثل هؤلاء...!!!
كان لاختلاف الأئمة في تاريخ الإسلام منهج وأسلوب غير اختلاف أئمتنا نحن في تلك الأيام فالفرق شاسع والبون واضح ولعله يتضح حينما نذكر بعض الكلمات والمواقف لهؤلاء الأعلام: - o يقول الأمام مالك عن الأمام أبو حنيفة:"لو ناظرني أبو حنيفة في أن نصف هذه الأسطوانة ذهب أو فضة لقام بحجته"
ما أجمل حفظ اللسان....!!!
إن مما نعانيه في هذا الزمان من عيوب ذلك اللسان الذي تكثر آفاته وتتعدد ولذلك كان التوجيه النبوي في استخدام اللسان إما في الخير أو الصمت فلقد قال صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، وعن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله حدثني بأمر اعتصم به، قال: قل ربي الله ثم استقم، قلت يا رسول الله: ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ؟ ثم قال: هذا"، وقال سيدنا عيسى بن مريم"أربع لا تصير إلا في مؤمن: الصمت وهو أول العبادة والتواضع وذكر الله وقلة الشر"ومما حفظ عن العلماء والحكماء في حفظ اللسان ما يلي:"
* قال أحد الحكماء: في الصمت سبعة آلاف خير، في الصمت سبعة كلمات، كل كلمة منها بألف خير الأول: عبادة من غير عناء، الثاني: زينة من غير حلي، الثالث: هيبة من غير سلطان، الرابع: حصن من غير حائط، الخامس: الاستغناء عن الاعتذار لأحد، السادس: راحة الكرام الكاتبين، السابع: ستر لعيوبه.
* قال لقمان الحكيم: يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم ومن يدخل مدخل السوء يتهم ومن لا يملك لسانه يندم.
* قال أحد الصالحون: المؤمن قليل عمله كثير عمله والمنافق كثير كلامه وقليل عمله.
* قال أحد الفقهاء: هكذا كان عمل الزهاد، كانوا يتكلفون لحفظ اللسان، يحاسبون أنفسهم في الدنيا، وهكذا ينبغي على المسلم أن يحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب في الآخرة لإن حساب الدنيا أيسر من حساب الآخرة كما أن حفظ اللسان في الدنيا أيسر من ندامة الآخرة.
* قال إبراهيم التميمي: حدثني الربيع بن خثيم عشرون سنة فما أعلم أني سمعت منه كلمة يعاب الله.
"هلمّ إلى ذكر الصالحين وكفانا ذكرًا للطالحين"