الوعد والتصرف
يعرف التصرف في الفقه الإسلامي بأنه: كل ما يصدر عن الشخص من أقوال وأفعال ويرتب عليه الشارع نتيجة من النتائج [1] .
ومثال التصرف القولي: البيع، فقد رتب الشارع عليه أثره وهو نقل ملكية البيع إلى المشتري ونقل ملكية الثمن إلى البائع، وقد يكون التصرف القولي من جانبين كالبيع والإجارة، وقد يكون من جانب واحد كالطلاق، وقد يكون منشئًا للحق كالوقف عند جمهور الفقهاء أو مسقطًا له كالعفو من الولي عن القصاص من القاتل، وقد يكون بمقابل كما في البيع أو بغير مقابل كالهبة، وقد يراد بالتصرف القولي إثبات حق كما في اليمين، وقد يراد به توثيق حق كما في الرهن والكفالة.
ومثال التصرف الفعلي: القتل؛ إذ رتب الشارع عليه أثره وهو القصاص، ويستوي في التصرف الفعلي أن يكون مفيدًا كالاصطياد أم ضارًا كالقتل [2] .
وعلى هذا يمكن إبراز أهم نواحي التفرقة في أنه يتفق الوعد والتصرف في أن كلًا منهما قد يكون محله قولًا أو فعلًا، ويتفقان أيضًا في أن كلًا منهما يكون محله نافعًا، وينفرد التصرف بأنه قد يكون محله ضارًا كذلك، فإن التصرف رتب الشارع عليه آثاره فورًا فهو ملزم لصاحبه، أما الوعد فهو على الراجح غير ملزم، كذلك التصرف يختلف عن الوعد في الصيغة التي ينعقد بها؛ إذ أن العقد وهو تصرف ينعقد بصيغة الماضي غالبًا وبصيغة المضارع إذا دلت على ذلك قرينة ... الخ بخلاف الوعد فإن صيغته تكون بما يدل على الاستقبال كما سنرى.
ويعرف التصرف في القانون بأنه: اتجاه الإرادة إلى إحداث أثر قانوني بحيث يترتب هذا الأثر على مجرد اتجاه الإرادة إلى أحداثه، كالبيع والإيجار والوعد بجائزة.
وبالمقارنة بين تعريف التصرف في الفقه الإسلامي والتصرف في القانون نجد أن التصرف في الفقه الإسلامي أعم؛ إذ يشمل ما يصدر عن الشخص من تصرفات قولية وفعلية بينما التصرف في القانون يقتصر على ما يصدر عن الإنسان من تصرفات قولية، ولكن يتفق القانون مع الفقه الإسلامي في أن التصرف يختلف عن الوعد؛ إذ يراد بالتصرف إحداث أثر قانوني في الحال بمجرد صدور التصرف، بينما رأينا أن الوعد في القانون هو عقد تمهيدي للعقد المراد فلا يقصد به إنشاء التزام في الحال، وإن ترتب عليه بعض الآثار [3] .
(1) انظر في ذلك البدائع ج2 ص170، 171 الفروق وتهذيب الفروق ج2 ص204 مختصر المعاملات الشرعية، للشيخ على الخفيف ص68.
(2) انظر مجلة العلوم القانونية والاقتصادية حقيقة التصرف وأقسامه د/ محمود محمد الطنطاوي ع/ 1 س15 ص25، مجلة إدارة قضايا الحكومة، التصرفات الشرعية الانفرادية في الفقه الإسلامي د/ محمد زكي عبد البر ع/ 2س/ 9ص58 وما بعدها، وانظر رسالتنا للدكتوراه النيابة عن الغير ص14.
(3) الوجيز في مصادر الالتزام د/ محمود جمال الدين زكي ص15، 16، نظرية الالتزام د/ عبد الناصر العطار ص15.