فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 33

الفصل الثالث

حكم الوعد بالتعاقد

اتفق الفقهاء على أن الوفاء بالوعد مطلوب، يستوي في ذلك الوعد بالتعاقد أم بغيره؛ لأن ذلك من مكارم الأخلاق ولكنهم اختلفوا في أن هذا الوفاء واجب أم مستحب [1] وسوف نذكر آراء الفقهاء في هذا إجمالًا ثم نعرض لكل رأي تفصيلًا مع بيان الراجح في النهاية.

الرأي الأول: وهو لابن شبرمة ورجحه ابن الشاط: يجبر الواعد على الوفاء بما وعد به مطلقًا أي سواء كان الوعد مقرونًا بسبب أم كان مجردًا عن السبب.

ومثال الأول: أن يقول شخص - الواعد - لآخر - الموعود له: تزوج وأنا أعطيك ألفًا من الجنيهات، ويستوي هنا أيضًا أن يدخل الموعود له في السبب - الزواج - أم لم يدخل.

ومثال الثاني: أن يقول شخص لآخر: سأعطيك ألفًا من الجنيهات؛ إذ الواعد لم يقيد وعده بسبب كالزواج أو البناء أو السفر الخ فهو وعد مجرد.

الرأي الثاني: وهو لجمهور الفقهاء - الحنفية وبعض المالكية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية وجمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين: لا يجبر الواعد على الوفاء بما وعد به مطلقًا أي سواء كان الوعد مقرونًا بسبب أم كان مجردًا عن السبب كما يستوي أن يقترن الوعد بقسم أم لا، وإن كان الأفضل للواعد أن يفي بوعده.

الرأي الثالث: وهو لبعض فقهاء المالكية، وقضى به عمر بن عبد العزيز: يجب الوفاء بالوعد إذا كان مقرونًا بسبب يستوي في ذلك أن يدخل الموعود له في السبب أم لا، فإذا قال الواعد للموعود له: اشتر سيارة وأنا أعطيك ألفين من الجنيهات فهذا الوعد مقترن بالسبب - شراء السيارة - فوفقًا لهذا الرأي يلزم الوعد ويجب على الواعد أن يفي به سواء اشترى الموعود له السيارة أو بدأ في الشراء أم لم يشتر، والظاهر أن هذا الرأي يخصص الرأي الأول الذي يجعل الوفاء بالوعد واجبًا مطلقًا.

الرأي الرابع: وهو الراجح عند المالكية: يجب الوفاء بالوعد إذا كان مقرونًا بسبب ودخل الموعود في كلفة من أجل ذلك الوعد، ويظهر أن هذا الرأي يفيد الإطلاق الذي ورد في الرأي الأول أكثر مما قيده الرأي السابق فلا يكفي للقول بلزوم الوفاء أن يكون الوعد مقترنًا بسبب، بل يلزم أن يبدأ الموعود له في التنفيذ فعلًا أو يكون قد نفذ بالفعل، وهذا ظاهر في أي مثال للوعد، فإذا قال الواعد للموعود له: اشترِ دابة وأنا أعطيك مبلغًا، واشتراها الموعود له فعلًا أو دفع لها عربونا أو سعى في الشراء، فإن الوعد يلزم؛ لأن الموعود له دخل في كلفة من

(1) جاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود ج13 ص 340، قال النووي: على أن من وعد إنسانًا شيئًا ليس منهي عنه فينبغي أن يفي بوعده، وهل هذا واجب أو مستحب؟ فيه خلاف، ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب فلو تركه فإنه الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة، ولا يأثم من حيث هو خلف وإن كان يأثم إن قصد به الأذى، قال: وذهب جماعة إلى أنه واجب منهم عمر بن عبد العزيز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت