الصفحة 38 من 48

قال ابن القيم:"... فالمكارم منوطةٌ بالمكارِه، والسعادة لا يُعْبَر إليها إلا على جِسر المشقَّة فلا تُقطع مسافتُها إلا في سفينة الجِدِّ والاجتهاد، قال مسلم في صحيحه قال يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة الجسم."

وقد قيل: من طَلَب الراحة تَرَك الراحة.

فيا وَصلَ الحبيبِ إمَّا إِلَيه .... بِغَيرِ مَشَقَّةٍ أبدًا طَرِيق

ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعِظَمِ قَدْرِها لتَجَالَدُوا عليها بالسيُوف ولكن حُفَّت بحجابٍ من المكاره وحُجِبُوا عنها بحجابٍ من الجهل، ليختصَّ اللهُ لها من يشاءُ من عبادِه، والله ذو الفضل العظيم." [1] "

والنزهات والاستراحات من الأمور التي إن أنيطت بنية صحيحة وخلت من المنكرات والملهيات كانت عونا للطالب وتحفيزا له على النشاط والجد، وهذا لا يقال إلا في زماننا لما فترت الهمم وتخنثت العزائم مقارنة بهمم وعزائم السلف، فلقد كان أحدهم لا يجد وقتا للأكل فيحسو طعامه أو يكتفي برغيف مبلل في الماء، لأن لذتهم ومنتهى سعادتهم كانت في العلم ومزاولة الدروس والكتب والبحث والكشف عن المسائل، أما اليوم فإلى الله المشتكى، ومن قرأ في تراجمهم رأى العجب العجاب حتى ليحسبه ضربا من الأساطير أو حكايات خيالية نسجتها عقول القصاص، نزهاتهم واستراحتهم في العلم فقط، ومن عجيب ما روي أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (كان من صغره حريصًا على الطلب، مجدًّا على التحصيل والدأب، لا يؤثرُ على الاشتغال لذة، ولا يرى أن تضيع لحظةٌ منه في البطالة فذّة، يذهلُ عن نفسه ويغيب في لذّة العلم عن حسه، لا يطلب أكلًا إلا إذا أحضر لديه، ولا يرتاحُ إلى طعام ولا شراب في أبرديه.

قيل: إن أباه وأخاه وأهله وآخرين ممن يلوذون بظله سألوه أن يروح معهم يوم سبت ليتفرج، فهرب منهم وما ألوى عليهم ولا عرج، فلما عادوا آخر النهار لاموه على تخلُّفه، وتركه لإتباعهم وما في انفراده من تكلفة، فقال: أنتم ما تزيَّد لكم شيئًا ولا تجدد،

(1) مفتاح دار السعادة (1/ 109) /دار الكتب العلمية - بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت