الناس، ولكن الجمع بين العلم والمال من أعز الأمور، وهو ضرب من الأماني، لأن الطالب حقا يصرف جهده وهمته في التعلم والسهر والتفكير في العلوم، وهذا يأخذ منه وقته كله، والعلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، ومن تتبع سير السلف رضوان الله تعالى عليهم أجمعين يجدهم من ناحية العلم والمال على قسمين:
قسم طلب العلم مع الفقر، وقسم ورث المال من أبويه فاستعان به على طلب العلم، ولم يعرف فيهم من بذل وسعه في المال كوسعه في العلم، لأنهم عرفوا حقيقة العلم وهو أنه لا يعطى إلا لمن يحبه الله تعالى، مع كل هذا ترى في قصصهم عبرة في التعفف والاشتغال في الأمر اليسير لتحصيل قوت اليوم، فهذا يحتطب وهذا يحمل، وصدورهم منشرحة وقلوبهم مطمئنة، قال ابن رجب الحنبلي:"قال يحيى بن عبد الوهاب بن منده في فضائل الإمام أحمد ومن طريق أحمد بن مروان المالكي، حدثنا إدريس الحداد قال: كان أحمد بن حنبل إذا ضاق به الأمر آجر نفسه من الحاكة فسوَّى لهم." [1] وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (خُيِّر سليمان بن داود عليهما السلام بين الملك والعلم فاختار العلم، فأتاه الله الملك والعلم معه باختياره العلم.) [2]
ولقد صدق من قال:
وما الجَمْعُ بَيْنَ المَاءِ والنَّارِ في يَدي بِأصْعَبَ مِنْ أَنْ أَجْمَعَ الجَدَّ والفَهْمَا
فليتأمل طالب العلم في الأمر الذي يريده، فمن أراد أن يكون من أبناء العلم، فليجعله همته، ومن أراد أن يكون من أبناء المال فما أكثر من يعطاه، وليتذكر الوصية المنسوبة [3] للخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد في قوله:"... العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو بالإنفاق والمال تنقصه النفقة، ومحبة العلم دين يدان به، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي"
(1) الذيل على طبقات الحنابلة (131) للحافظ ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795هـ طبعة دار المعرفة.
(2) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 114) مؤسسة الريان، وابن الجوزي في التبصرة (1/ 174) .
(3) وليس لها إسناد يصح، وإنما أوردتها لكلام الإمامين ابن القيم وابن رجب في شرحها وهو نفيس.