عبد الرحمن فيقول لهم: هاتوا نفقاتكم. فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق وبقفل عليها، ثم يكتري لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلواء. ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا صاروا إلى المدينة قال لكل رجل منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة، من طرفها؟ فيقول: كذا. ثم يخرجهم إلى مكة فإذا وصلوا إلى مكة فقضوا حوائجهم قال لكل رجل منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا. فيشتري لهم ويخرجهم من مكة. فلا يزال ينفق عليهم حتى يصيروا إلى مرو، فإذا وصلوا إلى مرو جصص أبوابهم ودورهم. فإذا كان بعد ثلاثة أيام صنع لهم وليمة وكساهم فإذا أكلوا وشربوا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صرته بعد أن كتب عليها اسمه." [1] "
ولا يزال علماء هذه الأمة ينصحون بالرفقة الطيبة التي تعين على الخير وتذكر به، فإن الصاحب ساحب كما قيل، وعلى طالب العلم أن يختار لنفسه من هو على شكله وشاكلته في العقل والسن، ممن يعين على الطلب ويحذر من العطب، لأن مرارة الغربة وقسوة الوحشة يذهبها أنس الرفيق المخلص، قيل لخالد بن يزيد ما أقرب شيء وأبعد شيء وآنس شيء وأوحش شيء فقال أقرب شيء الأجل وأبعد شيء الأمل وآنس شيء الصاحب وأوحش شيء الموت." [2] ، ولا يكون مخلصا حقيقة إلا إذا ذكّرك بما ينفعك وحذّرك مما لا ينفعك، وليَعْلَم طالب العلم أنه منذ خروجه من بيته فإن الله تعالى قد كلأه بصحبته الخاصة (التي تقتضي الحفظ والعون والتأييد، ومن كان الله معه فممَّن يخاف) [3] لأنه سبحانه وتعالى الصاحب في السفر، فلا عليه من أي شيء، فإن وجد من رفقائه وحشة أو غلظة فليحرص على نصحهم قدر المستطاع فإن الدين مبناه على النصح، وليوسع صدره قدر الإمكان فإن عجز أو رأى أن الأمر لا يرقى إلى ما هو خير"
(1) صفوة الصفوة (4/ 141) ، تاريخ بغداد (10/ 158) ، تاريخ دمشق لابن عساكر (22/ 453) ، تهذيب الكمال للمزي (16/ 21) .
(2) المجالسة وجواهر العلم للدينوري (1/ 218) دار ابن حزم.
(3) فقه الأدعية والأذكار لعبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر (3/ 272) .