فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 115

واجب الأخوة حيال المضطهدين

أخبارٌ كثيرة تمرُّ بالمرء ولا تحرِّك ساكنًا لديه، ومشاهدُ لا حصر لها ينظر إليها دون مبالاة، وقد يكون من هذه الأنباء وتلك الحوادث ما يسترعي الانتباهَ، ومع هذا فسرعان ما تُنسى.

فكم يسمع الإنسان ويقرأ عن الحروب القديمة والحديثة، كالحرب العالمية الأولى والثانية، والقتال في فيتنام، وحوادث الصدام والدعس، والفيضانات والزلازل، وكوارث الطيران، والمعارك العنصرية؛ ربما لكثرة تردادها، فتصبح وكأنها شيء عادي، ولكن من الأنباء والمشاهد ما يستوقفك؛ لتصيخ السمع فتتأمل أو تندهش، ويقف شعرُ بدنك، وتظل ذِكراه عالقةً بالذهن مدة مديدة، قد تكون سمعت في اللحظة أنباء الحرب في فيتنام - مثلًا - وعرض أمامك مشهدٌ عملي للحرب الدائرة هناك، ولم تتأثر إلى حدٍّ بعيد، ولكن مرآك لعجوز ناتئة الوجنات، شاحبة الوجه، متداعية الأطراف، يضربها جنديٌّ بعقب البندقية - تجعلك تشمئز لهذا المنظر الفظيع، وتلوح صورتُه المزعجة أمام مخيلتك حينًا من الدهر.

وحين تشهد منظرًا لطفل يفتك به الجوعُ والمرض، وقد تعرَّى لأنه لا يجد لباسًا يواري سَوءته، فستمقتُ المجتمع الذي يعيش بينه مثلُ هذا البائس، فلا يرقُّ له ولا ينجده.

ولربما تسمع أنباء المجازر البشرية، فتردد: وهل خلَتِ الدنيا من المجازر؟! ولكنك إذ تبصر الرؤوسَ تتطاير عن الأجسام، والأسيد يُصبُّ على البشر؛ ليتحوَّلوا أكوامًا من العظام، والزيت يسكب على مؤمنين كلُّ ذنبهم أنهم آمنوا بالله وصدَّقوا رسله، وفي لحظات تشتعل فيهم النيران؛ لينقلبوا بعد دقائق إلى رماد، فإنك ستقف مشدوهًا لهذه المناظر المرعبة، وقد يبلغ بك التأثرُ إلى اختلال التوازن والاضطراب العقلي، وقد تعدُّ من فئة المجانين؛ لهول ما رأيتَ، حتى لم تتحمل أعصابُك وعقلك هذا المشهدَ الرهيب، وقصدي أن أقول: إن أشياء تستوقف النظر، وتستدعي التأمل، ويتأثَّر بها المرء طويلًا.

واليومَ قرأتُ في إحدى الصحف المحلية ما تأثرتُ منه بمزيج من الحزن والسرور، وصرتُ في حيرة من الأمر، وعجز عن تفسير العواطف والانفعالات التي طرأتْ على نفسي، هل هي من قبيل الرضا والسرور، أو من جهة الأسى والألم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت