الصفحة 3 من 48

المبحث الأول:

التمهيد

لم أطلع في حدود بحثي على قول لأهل العلم قديمًا حول هذه المسألة بعينها فضلًا عن التفصيل فيها، إلا لمحات يسيرة في بعض المؤلفات، وإنما كان الخلاف بينهم في بعض المسائل التي لها تعلق بهذه المسألة، أو بعض الأقوال التي ظاهرها متعلق بهذه المسألة سيأتي ذكرها في ثنايا البحث إن شاء الله، ولعل من أهم تلك المسائل مسألة اختلاف المطالع، وكان بحثُ الفقهاء في هذه المسألة عامًا في كل الشهور من دون تفريق بين شهر وآخر، إلا تنبيه ذكره ابن عابدين في"حاشية رد المختار"أن شهر ذي الحجة يعتبر فيه اختلاف المطالع دون غيره من الشهور، وهذا يخالف تمامًا قول بعض العلماء المعاصرين الذين يقولون باختلاف المطالع في جميع الشهور ما خلا شهر ذي الحجة!! ولا أعلم أحدًا من الفقهاء القدامى ممن كتب في هذه المسألة و تعرض لها ذكر ما ذكر العلماء المعاصرين!

ولهذا لا تجد في ثنايا فتاوى أهل العلم المعاصرين قولًا مأثورًا عمن قبلهم من أهل العلم، إلا محاولة هزيلة فيها لي وبتر، وهي ما ذكره أحد الأفاضل عن ابن العربي في"أحكام القرآن" (1/ 143) ، ولكنه كان نقلًا في غير محله، وسيأتي التعليق عليه في مناقشة قولهم، وقد قرأت بعض الفتاوى لأصحاب هذا القول فرأيت أن غاية ما يستدلون به أن يوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الناس بعرفة.

ومن أجل هذا التفريق اعتبرت الخلاف في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم المعاصرين، وإن كانت المسألة في نظري داخلة في عموم مسألة اختلاف المطالع، وأرى أنه ينبغي أن تبنى هذه المسألة على أصل الخلاف المعروف في مسألة اختلاف المطالع، ومن ثم تخرج هذه المسألة عليه.

وقد حاولت جاهدًا جمع أدلة الفريقين، مع العلم أن بعض هذه الأدلة لم يستدل بها أصحاب الفريقين، وإنما ذكرتها اجتهادًا مني، وصدرتها أحيانًا بقولي: (قد يحتج لهذا القول) ، وقد أذكر الاعتراضات عليها إن وجدت، وذلك كله على حسب فهمي، والله الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت