فما الحيلة قال يسيرة قال ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضي فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضي وبما بقي وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
وإن امرأ قد سار ستين حجة إلى منهل من ورده لقريب
قال بعض الحكماء: من كانت الأيام والليالي مطاياه سارت به وإن لم يسر وفي هذا قال بعضهم:
وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت قاصد
وأعجب شيء لو تأملت أنها منازل تطوي والمسافر قاعد
وقال آخر:
ويا ويح نفس من نهار يقودها إلى عسكر الموتى وليل يذودها
قال الحسن: لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار وتقريب الآجال هيهات قد صحبا نوحًا وعادا وثمودًا وقرونا بين ذلك كثيرا فأصبحوا قد أقدموا على ربهم ووردوا على أعمالهم وأصبح الليل والنهار غضين جديدين لم يبلهما ما مرا به مستعدين لمن بقي بمثل ما أصاب به من مضي.
وكتب الأوزاعي إلى أخ له أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر الله والمقام بين يديه وأن يكون آخر عهدك به والسلام.
نسير إلى الآجال في كل لحظة وأيامنا تطوي وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقا كأنه إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب للرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقي فعمرك أيام وهن قلائل
وأما وصية ابن عمر فهي مأخوذة من هذا الحديث الذي رواه وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل وإن الإنسان إذا أمسي لم ينتظر الصباح وإذا أصبح لم ينتظر المساء بل يظن أن أجله يدرك قبل ذلك وبهذا فسر غير واحد من العلماء الزهد في الدنيا قال المروزي قيل لأبي عبد الله يعني أحمد أي شيء الزهد في الدنيا قال قصر الأمل من إذا أصبح قال لا أمسي قال وهكذا قال سفيان قيل لأبي عبد الله بأي شيء نستعين على قصر الأمل قال ما ندري إنما هو توفيق.