فإن الذي يستقيم على طاعة الله هو الذي استجاب لدعائه الذي يردده في اليوم أكثر من خمس وعشرين مرة اهدنا الصراط المستقيم تلك التي نقولها في الفاتحة لماذا نقولها قولًا ونعتقد اعتقادًا جازمًا أننا إذا استقمنا غفر الله لنا ولكننا نتكاسل عن تطبيق ذلك عمليًا فينبغي أن نتقي الله وأن نطبق هذا عملًا واعتقادًا وقولًا وأن نسعى في ركاب اهدنا الصراط المستقيم وأن نكون في مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين في ظلال اهدنا الصراط المستقيم إلى جنات عرضها السموات والأرض مفتاحها لا إله إلا الله أسأل الله أن يختم لنا ولكم بخير.
إن الناس بعد انقضاء شهر رمضان ينقسمون إلى أقسام أبرزها صنفان:
الأول: صنف تراه في رمضان مجتهدًا في الطاعة فلا تقع عيناك عليه إلا ساجدًا أو قائمًا أو تاليًا للقرآن أو باكيًا حتى ليكاد يذكرك ببعض عبّاد السلف، حتى إنك لتشفق عليه من شدة اجتهاده ونشاطه، وما أن ينقضي الشهر الفضيل حتى يعود إلى التفريط والمعاصي كأنه كان سجينًا بالطاعات فينكب على الشهوات والغفلات والهفوات يظن أنها تبدد همومه وغمومه متناسيًا هذا المسكين أن المعاصي سبب الهلاك لأن الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل، فكم من معصية حرمت عبدًا من كلمة لا إله إلا الله في سكرات الموت.
فبعد أن عاش هذا شهرًا كاملًا مع الإيمان والقرآن وسائر القربات يعود إلى الوراء منتكسًا ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهؤلاء هم عبّاد المواسم لا يعرفون الله تعالى إلا في المواسم أو النقمة أو الضائقة ذهبت الطاعة مولية ألا فبئس هذا ديدنهم:
صلى المصلي لأمر كان يطلبه *** فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما
فيا ترى ما الفائدة إذن من عبادة شهر كامل إن أتبعتها بعودة إلى السلوك الشائن؟