... إن المسيرة تتحرك ويمكن أن تكون كمسألة فلسطين مدخلًا أساسيًّا لتطوير الشعر العربي أو لدراسة أهم الحركات فيه حولها وحول محورها وحول نكبة الوطن تبنى الأشياء إقبالًا وإدبارًا تنظيمًا أو إعادة للتنظيم بأسًا أو نقوصًا، كلها تكاد تتمحور في مرحلة معينة هي أزمة فلسطين، وقد تكون من المصادفة أن تولد الحركات الكبرى في القصيدة العربية مع وجود حركة فلسطين وأن يكون ميلاد الشعر الحر نفسه أو شعر التفعيلة قادمًا مع نهاية النصف الأول من القرن العشرين في نفس الوقت الذي تتغير فيه الخريطة الشعرية، وأن يكون استخدام شعرائنا لأنماط كثيرة من التعبيرات الفنية مرتبطًا بمواقف وطنية، وهل كان استخدام أمل دنقل لفكرة استخدام الرمز العربي القديم والعودة إلى (زرقاء اليمامة) و (المهلهل) ، و (كليب) وإثارة هذه الأنماط من القيم الرمزية إلا ارتباطًا بنكسة هنا وانكسارة هناك وجرح وطني، ويستمر هذا النمط من التأثير للأدب ومواكبة الأدب للحركات الوطنية يشعر به أعداؤنا أكثر مما نشعر به نحن، ولاشك أن وقع قصيدة لمحمود درويش على المسؤولين الإسرائيليين ليست أقل من وقع هجوم مدبر لكتيبة فدائية ناجحة. وكانت قصائد محمود درويش وتسللها إلى بعض الكتب المدرسية محل مناقشات في الكنيست الإسرائيلي، ومحل اعتراض من النواب، فلم يكن أحدهم يسمح لهذا البيت بالسريان أو يسمح لهذا المقطع بالتداول؛ لأنهم يعلمون أكثر مما نعلم مدى خطورة ارتباط الكلمة ببناء المشاعر الوطنية. ومن أجل هذا فإننا عندما نواجه الآن حملات عاتية لن نواجهها فقط على مستوى القوة العسكرية، والاحتلال والغزو ولكن نواجهها بالتوازي وربما بالسبق على مستوى تكميم الكلمة. والذين يفتشون في اقتصادياتنا وينزعون أسلحتنا ويحتلون موانينا ويسيطرون على ثرواتنا ينظرون أولًا إلى كتبنا المدرسية، أي نص فيها يحتمل أن تكون فيه عدوى الوطنية يومًا من الأيام، ويفتشون في الكلمات التي يقرؤها التلاميذ